التقط تلك الرواية في حماس .. أقفزعلى السرير .. أفتح الصفحات .. وأدخل فيها .. لأصبح هناك ..
كلما هممت بالوقوف .. أعجز ..
قتامة ما حولك لا يسمح لك بأن تتلمس طريقك ..
ليس الظلام هو السبب .. وليس عدم قدرتك على الحركة هي السبب ..
ولكن ببساطة .. هي عجزك عن ادراك ماحدث ..
عجزك .. أن تقبل ذلك الجُرم الرهيب .. الذي حدث .. وتكرر كثيراً ..
عجزك عن إدراك .. أن هناك من الخذلان .. من عدم تقدير لإنسان .. بذلك القدر ..
عجزك عن إدراك الوحشية التي تملأ بعض القلوب .. فتعميها .. وتسمح لها ببذل هذا القدر من الوحشية!
تحاول الإستيعاب .. تلك الوحشية ... ماينافي فطرتك تماما .. كيف استطاعوا قهر الفطرة .. وكيف استطاعوا ان يستمعوا إلى الصراخ .. إلى الإستغاثات .. وأن لا يتحرك لهم جفن .. كيف يأتي النوم إلى أعينهم؟وكيف لايرهبون الليل؟وكيف لا يرهبون انهم قد يكونوا يوما ضحايا؟
تحاول الإستيعاب .. تلك الوحشية ... ماينافي فطرتك تماما .. كيف استطاعوا قهر الفطرة .. وكيف استطاعوا ان يستمعوا إلى الصراخ .. إلى الإستغاثات .. وأن لا يتحرك لهم جفن .. كيف يأتي النوم إلى أعينهم؟وكيف لايرهبون الليل؟وكيف لا يرهبون انهم قد يكونوا يوما ضحايا؟
كيف استطاعوا .. أن يبتروا ويقتلوا ويغتصبوا .. بمنتهى الوحشية .. كيف أمكنهم أن يلقوا بالأجساد .. التي هي مثل أجسادهم .. مقطعة ومبتورة .. كيف أمكنهم أن يقضوا على 300 حياة .. في اقل من ثلاثة أيام!
ليس فقط هذه التساؤلات التي ستقفز الى رأسك حين تقرأ صفحات أي كتاب يتحدث عن مجزرة صبرا وشاتيلا .. بل ستغوص أكثر في سؤال آخر .. ماذا نفعل نحن أمام هذه الوحشية؟
نكتب ..
هذا مانفعله ..
يحطمك شعور العجز .. تكون هناك .. ترى الأعين الباكية .. ترى القلوب التي سُحقت .. والأرواح التي زُهقت .. الأجساد المبتورة ..ليس فقط ذلك .. تتحرك وسط هذه المجزرة .. لتبحث عن أحدهم .. أحدهم كنت تعرفه يوماً .. تتخيل ذلك .. تتخيل أنك أحد من اهل هؤلاء الضعفاء .. تتخيل أنك عدت .. تبحث عنهم .. تتخيل أنك أحد هؤلاء الضحايا .. تتخيل ذلك القدر من الخوف .. وهم يلجون الى مسكنك .. ويقتلوا طفلا من أطفالك .. ويغتصبوا آخر .. ثم يقتلك .. بعد أن يقتل جميع عائلتك أمامك .. تخيل .. أن هذا حدث بالفعل مع هؤلاء .. هل تصدق ذلك؟ صدّقه لإنه حدث .. وهناك من الوثائق العديد .. التي يمكن أن تؤكد لك هذا القدر من الوحشية ..
صدّقه .. لإنه حدث مرات عديدة .. صدقه مرة أخرى .. لإنه حدث بين أمة من جنس واحد .. صدقه .. لإن هناك من قتل أخيه .. ولأن هناك من فجّر جنازة تشيع شهيداً .. صدقه .. لأنه مازال يحدث .. وهذه المرة .. بيننا ..
صدّقه .. لإنه حدث مرات عديدة .. صدقه مرة أخرى .. لإنه حدث بين أمة من جنس واحد .. صدقه .. لإن هناك من قتل أخيه .. ولأن هناك من فجّر جنازة تشيع شهيداً .. صدقه .. لأنه مازال يحدث .. وهذه المرة .. بيننا ..
أترى ذلك القدر من البشاعة؟
أتتخيل ذلك القدر من العجز أن تكون في عالم .. بعض من فيه يريد موتك .. ويفعل ذلك ببساطة..
ولا ينتصر اليك سوى قلوب حرّة .. تسلب منها روحها أيضا .. ويزجّ ببعضها في سجون .. لتعذب فتموت ..
أتتخيل أن تكون في عالم .. لا تستطيع أن ترى النور فيه .. لأن حولك يُقتل .. وأن تشاهد .. صامتا عاجزا !
أتتخيل ..ذلك العجز؟
تغلق الرواية ..
تغمض عينيك .. يغلبك كل عجز .. عجزك عن الإدراك ..فعجزك عن التحمل .. عجزك لذلك الضعف الذي ينبش عالمك وأمتك .. عجزك لإدراك عجزك .. عجزك عن البكاء .. عجزك أن تصرخ .. بأن هذا حدث .. ومازلنا نرقص .. نرقص ونغني .. ونريد أن نموت وخالقنا عنا راضي ..
تغمض عينيك ..
"أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون"..
المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل
والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن ..
-الحسن البصري