Saturday, April 11, 2015

كيمياء الصلاة - الجزء الأول | مراجعة

يغربلك العمري ..حتى تصبح فتاتا منفصلاً ..
تجد نفسك تائها مع السطور ..تحاول أن تخرج منها بفعل بعمل بحل لتحسن ..
تحاول أن تخرج منها بخطة ..بخطّة تلتزم بها ..لتقيم الصلاة حقاً ..
سيرهقك حتما أن يدخل إنسان إلى أغوارك ويستخرج كل ما ترسب في عقلك ووجدانك.. أن يضعك في مواجهة حتمية لكل الأفكار الباهتة والراكدة والتي مازلت تحافظ على أجزاء منها .. 
قرأت هذا الكتاب سابقاً .. أنار جزء .. أقرأه مرّة أخرى وأبحث عن ماذا فعلت منذ قراءتي الأولى له إلى هذه القراء الثانية .. 
كل ما أستطيع قوله .. أني أصبحت أشعر بالكلمات أكثر .. لأنك حينما تقع .. تحارب الحياة وتحارب في الحياة لتفهم لماذا أنت ولماذا هذه الحياة .. سعيك .. كسلك .. إحباطك .. غضبك .. نقاشاتك الحادة والغير حادة .. كل ما مررت به..
تلك الصفحات بعد تجارب مررت بها تبدو واضحة أكثر تبدو أكثر عمقاً وأكثر ثباتا في العقل .. وأتمنى أن تنعكس على السلوك وعلى العمل.. هل "أتمنى" هنا جائزة أم يجب أن تكون "لابد"؟
أحاول الفهم.. وربط الصفحات .. بما مررت به ..بما يجب أن يكون عليه الأمر..

بداية الكتاب عن الأسباب الشائعة التي تجعلنا نصلي وعن طموحتنا التي تقلصت وأصبحت بحجم الذرة وخلقنا للأعذار التي تقنن سباتنا وكسلنا وإنهزامنا...يليه بحث في الشعائر والطقوس وكيف أن عقول الكائنات الحية مهيئة للطقوس بل تبحث وتخلقها لتستطيع العيش وكيف أن الإنسان يمكنه أن يربط تلك الطقوس والشعائر بإيمانه بالغيب ليجعلها شعائر تغيره وتغير حياته .. ويلي ذلك أجمل ما في الكتاب معنى الصلاة لغويا وانعكاسات على هذه المعاني اللغوية ..

وسأسجل ما أحببته في المعاني اللغوية للصلاة لأتذكرها بين الحين والآخر ..
فهل تعرف معنى الصلاة لغويا؟ لماذا أُطلق على تلك الحركات المعينة والذكر الذي تحتويه بـ"الصلاة" ..ما معنى تلك الحروف مجتمعة الصاد واللام والألف والتاء المربوطة؟
ما أجمل ما نضحت به هذه الصفحات من معاني .. 
(1) المعنى الأول: الدعاء وخصيصا الدعاء بالخير
معنى الصلاة هو الدعاء .. والدعاء بالخير لا لشيء آخر .. 
يأخذك العمري لحقيقة .. أن الصلاة تنحاز بكل ثقلها إلى جانب الخير ..كل ما فيها بكل ماهي لأجله .. هي من أجل ذلك الجانب .. الخير..
ويحتم عليّ أن آتي لك بكلمات العمري الواضحة في هذا المعنى للصلاة:
"والدعاء في جوهره هو أكبر وأعمق أن يكون عندك طلب ما منه عزّ وجل..
الدعاء في جوهره هو أن عندك قضية لديك دعوة ما .. لديك هدف .. لديك ما يملأ عليك حياتك لدرجة أنك تطلب منه عز وجل أن يعنيك فيها ..
وهي ليست أي قضية.. إنها ليست قضية فحسب ..
بل هي قضية خير حصراً ..
إنها الانحياز إلى جانب محدد في الصراع الدائر في هذا العالم..بل إن الأمر حتى أكبر من ذلك..
إنه أن تكون أنت حامل هذه الدعوة..حامل هذه القضية..أنت المنادي بها ..
وهي قضية خير دائم..لا إنفكاك عن الخير فيها..
تعبر عنها خلال الصلاة .."

(2) المعنى الثاني: اللزوم
اللزوم من ماني الصلاة .. اللزوم الذي لا ينفك عن الدوام والاستمرار والبقاء .. معنى الصلاة أنها تلزمك دوما..
وانظر إلى هذه الجملة :"اللزوم أن تلزمك دوما..تصير جزء منك..كما أن تكون جزءا منها..كما لو أنك عبر هذا اللزوم تتناهى معها لتكون مكانا جديداً "
ينعكس معنى أن الصلاة تلزمك.. بأن ما تدعو به في الصلاة .. تلتزم به خارج الصلاة .. أن دعائك للقضية .. يلزمك خارج الصلاة ..فتدعو بالعمل لأجل هذه القضية .. لا انفصال بين ما تدعو له وما تعمل في الحقيقة لتصل إليه .. يا الله!

(3)المعنى الثالث: النضوج المضيء
الأجمل والأعمق .. هل مررت سابقا بهذه الآية :"ويصلى سعيرا" أو "فسوف نصليه ناراُ" ..
معنى صلَي هنا بمعنى الإحتراق بوجهين: التسوية والآخر بمعنى الفساد والإحراق .. 
نعم تخيّل أن الصلاة بهذا المعنى .. أنها كما صلى اللحم بمعنى سوّاه .. تصليك لتسويك ..وما بعد التسوية ياصديق سوى النضج؟
"لا تكون رحلة النضوج هذه سهلة أبدا..بل إنها تشبه أحيانا إحتراقا داخليا ..ألم عظيم ومشقة ليست أقل من ألم ومشقة ومعاناة الولادة وليست أقل قداسة في الوقت نفسه فتغيير الذات مخاض عسير وصامت والصراخ معه لايجدي كما قد يفعل مع آلام المخاض الاعتيادي. بل هو يحتاج إلى صبر دؤوب وإصطبار حقيقي ومتابعة لهذا الصبر وذلك الإصطبار وينتج عن ذلك كله معاناة حقيقية هي في جوهرها إحتراق حقيقي وصولا إلى النضوج إلى التغيير .."

(4) المعنى الرابع: مايحيط بعظم العصعص
هذه العظمة التي يرتكز عليها عمودك الفقري .. لم تكن الصلاة ركنا ..إلا لأنها بالفعل مايرتكز عليها حياتك كلها .. لذلك ستُسأل يوم القيامة أو ما تُسأل .. عن صلاتك..

(5) المعنى الخامس: من مشتقات صلى: الصليّان:نبتة قوية الجذور 
ويكفي في هذا المعنى أن تتأمل كيف يمكن للصلاة أن تجعلك قوياً ذو جذور قوية .. أصل ثابت وفرع في السماء :
"يمكن للصلاة أن تجعلنا أقوياء..بجذور صلبة بأصل ثابت وفرع في السماء، فرع لا تقتلعه الرياح وإن هزته يمكن للصلاة أن تجعلنا هكذا .. بالأصل الثابت والفرع المثمر الثابت .."

يلي تلك الصفحات .. ربط تلك المعاني بأوائل سورة المؤمنون .. لتصل إلى صورة متكاملة لصلاة توقظ فيك دور الخليفة في الأرض .. الذي يصلح ويأمر بالإصلاح .. وينتهي به الأمر إلى جنة الفردوس ..
يمكنك أن تكتب كثيرا عن المعاني التي ناقشها الكتاب .. يمكنك أن تتوقف مع صفحات لأيام .. تتأمل وترى وتعكس تلك الكلمات على حياتك ..
ولكن مالم أجده في الكتاب .. ذلك الربط بين دوري كمصلح وخليفة في الأرض .. وبين عبوديتي لرب العالمين .. لعلّ الكتاب يركزّ كل إهتمامه على إيقاظ الهمم .. على محاربة ذلك الكسل والخمول والسلبية التي تشبعنا بها .. على سقف طموحتنا المنخفض .. ولكن لماذا ننهض؟ لماذا كل هذا العناء؟ 
أعتذر.. ولكنه تساؤل قفز.. إنه حتما لأجل ذلك الجزاء الأخروي..ولكن لماذا هناك عمل وجزاء؟
باختصار ..لماذا لم يشير الكتاب إلى محض العبودية .. أن بكونك خليفة هو أن تحقيقا لعبوديتك المحضة لله سبحانه وتعالى .. أن كون أن تتغير وتدخل هذه الملحمة من التغيير .. تحقق عبوديتك وتعظيمك وطاعتك لله سبحانه وتعالى الذي خلقك وأوجدك من العدم .. 
أعتقد هذا ما افتقدته في هذا الكتاب .. أن يصلني بأصل الأمر كلّه .. بأصل وجودي الذي هو عبودية يجب أن تكون .. وأن المعاصي صغيرها وكبيرها .. تشق تلك العبودية .. وتجعل من الإنسان متبعا لخطوات الشيطان ..
العبودية .. الشعور بأن كل هذا التعب وكل هذا العناء .. لتعظيم وتقديس ربّ العباد ..الذي لاينتظر منك عبادة .. ولكن أنت من تشكره سبحانه على أن جعل لك حياة تستطيع فيها أن تذكره وتتعبده وتبذل لتصل إليه سبحانه .. أعطاك ذلك الشرف بأن تكون له عبدا .. بأن تعرفه ..
أرى هذا المعنى يجب أن يُثار أيضا .. أن كل ما تفعله .. وأن لماذا تغير طريقة تفكيرك وارتباطك بالصلاة يجب أن ترتبط بشكل أو بآخر بكونك تشكر الله على نعمته بخلقك وإيجادك من العدم ..
هذا ما افتقدته وتمنيت لو ألحق بعض جزيئات الكتاب به .. ولكنّه يثير يثير العقل ويحتجّ على مفاهيم ورثناها ومعاني باهتة بحق ..معاني باهتة للصلاة ما زلنا نصر عليها ..
وستظل كتب العمري .. تغربلني .. تبكيني .. وتوقظني حتى التخمة ..