يا أيها النّاس.. قد قتلكم حرصٌ لا تدركونه أبداً- أبو ذر الغفّاري
انطلقت قدماي معلنة تمردها عليّ، تمضي بخطوات بطيئة مرهقة تحرك الجسد بعيداً عن مكان العمل ظنّاً أن إبتعادها ذاك سيبعد عقلها عن التفكير في مشاكل ذاك المكان وهمومه ..بل وظنا منها أن ذلك سيبعدها عن "دوشة" الحياة وصراخها المستمر .. وحثّها لك بان تمضي أوقاتا لفعل مالاتريد فعله .. وماتبغضه .. وعندما تتمرد .. وتصرخ بأن هذا مالاتريده .. تأتي ردود لتكتم أنفاسك.. "إحمد ربنا..حد لاقي اللي انت فيه!" .. ويشتعل غضبك وتبدأ في الدفاع عن نفسك ولكنك تصمت ..وتتهم نفسك بما اتهمك به الغير .. أنت غير راضي!
تمضي قدماك .. تتسائل للمرة الألف منذ بدأت السير في طريقك .. لماذا أفعل ذلك؟ولماذا أنا هنا؟.. تضع كل ما أنت مُجبر على أدائه في قائمة أمامك .. لماذا أنا مُجبر؟ولماذا أفعل مالاأريده؟ تتوسع الدائرة والرؤية .. تنظر للناس من حولك .. فتيات يسرن سوية ويضحكن في صخب ..فتية آخرون يقفون حول سيارة ما ويتناقشوا في أمر ما .. والد ووالدة ..يبحثوا عن "تاكسي" يحمل أرجلهم المرهقة ويوصلهم إلى المنزل بسلام .. تحاول أن تقهم .. ما الذي يجعل منا راكضون .. لماذا نسير دوماً ولا نتوقف ..لماذا نحن متشابهون؟.. لماذا يجب أن تسير كيفما يسير الناس .. لماذا لا يكون خط سيرك مختلف!
ألقيت السؤال .. وحاولت أن أجيبه .. مالذي يمنعني أن أكون مختلفة؟وجاء الجواب سريعا .. الخوف وتلك التهمة السابقة!
خوف من أن يكون ذاك الطريق المختلف غير آمناً .. ليست العقبات هي المشكلة .. ولكن ذاتك هي المشكلة ؟هل ستستطيع التغلب عليها؟ ويتردد في ذهنك.. وهل السير في الطريق المعروف آمناً! .. هو مضمون النتائج .. ممل ورتيب ..
كيف تمرد المتميزون على هذا الطريق المعروف؟كيف تخلصوا من عبء الخوف .. وآمنوا بأن عليهم السير في طريق مختلف .. كيف تخلصوا من تهمة أنهم غير راضين بما هو مكتوب!
مازلت تسير .. لاتجد جواباً .. تبطء أحيانا وتسرع أحيانا .. تحاول تفادي بعض من المارة وبعض من السيارات .. تفكر ملياً .. لماذا لا أجلس في هذا المطعم قليلا لأكتب وأفرغ تلك الشحنة من الأفكار اللانهائية ... ولكنك تمضي في صمت .. تستمع إلى ضجيج ماحولك ..وتخنقك رائحة البطاطا والذرة المشوية المختلطة مع عادم السيارات .. تعيد صياغة ما كان يدور في رأسك .. مالذي يجعل هذه الحياة بهذا الضجيج! .. تنظر لللأعلى إلى السماء .. تنتظر إلى الجواب .. تتذكر تلك الكلمة التي تضعها أمام عينيك .. يا أيها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبداً .. نحن في ضجيج .. نحرص على أن نكون شيء ما أن نصل إلى مكان ما .. أن نفوز بشيء ما .. في ضجيج .. نتقاتل .. نتصارع .. نتكلم ونصرخ .. قد قتلكم!
أصبح المنزل على بُعد خطوات .. أدرك أني قد وصلت .. وصل جسدي ولم يصل عقلي بعد إلى منزله .. تنتهي مشاجرتي مع أفكاري .. أفتح باب المنزل .. ألج برفقة "السلام عليكم" .. متمنية أن يُبعث السلام إلى داخلي أيضاً .. لتهدأ الثورة ..وتلين الأطراف وتهدأ ..
No comments:
Post a Comment