كان الأمر متعلقاً ببضع أيام إسترخاء ..
إسترخاء من ذلك النوع .. أن تكون في مدينة رسول الله .. لا تحيطك سوى همهمة المصلين ..ودعوات الصائمين .. والخير الذي يملئ عيون الشباب ..
إسترخاء من أن تتوقف عن الكلام مع كل بالغ .. وتكسب صداقة بعض من الأطفال ..
إسترخاء أن تسمع تلك الطفلة في غيرة من صديقتها .. "انت ماتحبيني .. انت بس تحبينها هيّا" .. لتقطع لها الوعد بأن تقضي معها بمفردها المزيد من الوقت ..
إنه الإسترخاء .. بأن تواصل الرحلة برّاً..بين الجبال والصحراء .. ترفع رأسك للسماء الصافية إلا من نجوم تزينها .. لتهمس لذاتك .. هذه الرحلة في هذا العمر تختلف عن أيام سبقت ..
ترى كل منازل الرحلة بعين مختلفة تماما .. تمر في رأسك مقاطع من روايات وسير وأنت تمضي هنا وهناك ... وعندما وقفت أمام البقيع .. ونظرت إلى القبور .. استدعيت ذلك المخزون الفكري .. هؤلاء الموتى يسمعون .. هؤلاء يتمتعون .. لم ينقبض قلبك حينها .. نظرت في جمود .. كنت تتخيل أنك إذا رأيت قبراً .. سينفجر قلبك باكيا قبل عينيك .. ولكن لم يحدث أي من ذلك .. جلست تنظر وتتذكر حال أصحاب القبور .. تدعو لهم .. وتدعو لقلبك الميت .. تنظر إلى القبور من الحاجز الذي يفصلك عنه .. ثم تلتفت إلى الجانب الآخر من الحاجز .. تراقب سير الناس .. الأطفال التي تجري وراء أمهاتها .. أشكال وألوان .. أناس من مختلف الجنسيات .. أناس قد غلبهم الوقار .. وأناس يتبادلون الحديث .. وسيارات تمر وباصات تمر .. تنظر لكل هذا .. ثم تلتفت إلى ماخلف الحاجز .. سكون القبور .. عالم آخر ... ساكن هادئ .. بعيد عن أعيننا .. كانوا يوما هنا .. وكانوا يوماً .. ينظرون كما أنظر ..
تودعهم .. أنتم السابقون ونحن بكم إن شاء الله لاحقون ..
ولا يتوقف الأمر هنا .. كدت أنسى تلك الزيارة .. وتلك اللحظات .. عادة من اعتاد على الإنغماس في الدنيا .. ولكن هيهات .. تأتي تلك الإمدادات الربانية .. في أجمل ليالي كل عام .. وانت في السيارة .. قبيل المغرب بدقائق .. بين يديك كتاب لابن القيم .. ويتكلم عن حال الموتى .. وعن ذلك الحديث الذي يخبر فيه رسول الله عن حال المؤمن والكافر عند إنتزاع الروح ..
تتوقف تماما .. وهنا ينفطر قلبك .. ويبدأ الإنهاك الذي يوُقظك من غفلتك .. تحاول تخيل مايحدث .. تدعو في صمت .. وقد أحطت وجهك بيديك تماما .. أيمكن أن ينقلب المرء رأسا على عقب سريعا هكذا ..
ولايتوقف المدد الرباني أبداً .. ويزداد يقينك .. أن الله لايظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ..
أنت فقط من تحدد كيفية إستقبالك لكل ما يحدث في حياتك .. أنت فقط من تحدد كيف تعكس ذلك ما يُقال هناك و ما يُثار حولك .. انت فقط من ترى الرحلة مرهقة وكئيبة أو تراها تجديد لروح وتمرين لصبر كان ينفذ سريعاً .. أنت فقط من تستطيع رسم مايحدث .. كما تريد أن تراه .. أتريد أن تظلم نفسك .. افعل ذلك .. انت فقط الذي ستُلام ..
No comments:
Post a Comment