Tuesday, August 18, 2015

Zombie Life


تمسك هاتفك، تضغط على أيقونة الwi-fi ليضيء لونها بالأخضر وترى تلك العلامة الساحرة في أعلى الشاشة بأنها قد أتصلت بشبكة إنترنت ما. تلهث أصابعك لتفتح ذلك المتصفح فموقع التواصل الاجتماعي الأزرق الذي يُشبع رغباتك في التواصل والتعبير عنك والتحدث عنك والتمحور حولك. تأخذ جرعتك من تحقيق نفسك الوهمية، ثم تقوم من مكانك وتنفض فراشك، وتتجه لتغسل وجهك. بداية يوم، يوم في حياة زومبي. زومبي فقد الروح، فقد الطاقة التي تجدده.
 
يرتدي ثيابه، ينظر إلى جهاز هاتفه، رسالة واردة هنا وهناك، يرد وهو يتناول إفطاره، لا يفكر عقله تعطل عن العمل منذ السويعات الأولى فقط يفكر في ماذا سيقول، وماذا قال سابقا، وماذا سيقول مستقبلا. يرمي جهازه في حقيبته، يعلم بشاعة ما يعيشه ولكنه يستمر بالعيش بهذه الطريقة، يجمّل ما يصنعه، ينوي النوايا الطيبة.. ولكنه لا يراقب ضمور خلايا عقله، والأسوأ ضمور خلايا قلبه. يلبس حقيبته يتأكد من وجود المال الكافي لإيصاله إلى مكان عمله. يلبس حذائه، يفتح الباب..يخرج.

لسانه يتحرك ببعض أذكار، يركب التاكسي يخرج هاتفه، يقرأ بعض صفحات من القرآن يفقد تركيزه كلما تقدم في القراءة، يعود ويقرأ الصفحة مرة أخرى ومرة أخرى إلى أن يجد تركيزه الذي يضيع في ماذا قيل وماذا سيقال وهذا وذاك..يصل إلى مكان العمل، يخرج جهازه الأكبر يجلس بعد تبادل التحية هنا وهناك، يضع تلك السماعات التي تعزله ولو قليلا عن ضوضاء عقله، يسمع قرآن ولكن أنى له أن يركز. يعمل ليقضي وقته، أين أختفى حماس اللحظات الأولى، أين أختفى ذلك الشعور بالبذل وذلك الإتقان. أين ولّى ذلك النشاط وتلك الروح، تلك الروح المبتسمة الراضية، الطموحة، والمعطاءة؟

يسأل نفسه كل يوم بعد انقضاء ساعات العمل، يخرج وتلك الحقيبة وراء ظهره، كأحمال ذنوبه وأخطائه. يحملها يركب ذلك الmicor-bus مع وجوه أخرى. وجوه تحمل الإرهاق والتعب، وأخرى تحمل شرا تُخرج بعض منها في سباب عابر هنا وهناك، ووجوه أخرى لا تنفك ترفع عينيها عنك لا تعمل هل هي شاردة إلى حد عدم الوعي، أم أنهم يبالغون في برودهم.

تغادره، حاملا حقيبتك التي بدأت تؤلم عمودك الفقري، تتجاوز العربات بتهور وتنظر إلى عيون من يقودون، كزومبي يعبر الشارع بثقة بأن هذا لن يقتله فقد قُتل سابقاً. 

يمشي، تلك الشوارع التي حملته دهرا وراء دهر، ينسى كل شيء، عقله لا يجمع ذكرى متكاملة. يحاول كتمان دموعه، هل تعرف كيف يشعر من لا ماضي له؟ هل تعرف كيف يشعر من لا يتذكر شيء؟ هل تعرف ذلك الشعور بأنك لا تستطيع أن تجمع ذكرى أحببتها يوماً؟ هذه الشوارع تتغير ملامحها أيضاً، هؤلاء البشر لم يكونوا هكذا وتلك اللافتات تغيرت، وهذا الشارع لم يصبح كما كان، يتغير كما تتغير أنفسنا، يتبدل إلى حال آخر ولم نكن يوماً نعلم أن هذا التغير قادم لا محالة. 

يصل إلى الشارع الذي يوجد فيه منزله، الألم الآن في ظهره قد بلغ حدّه. العرق قد بلل كل ملابسه يرى تلك الوجوه التي تقبع في هذا الشارع هي ذاتها كل يوم، تتغير ولكنها تبقى ثابتة لمدّة، هؤلاء الشحاذين وتلك الوجوه الغنية التي تتعلق بها أيدي الشحاذين. تلك العربات التي يعجّ بها الشارع، وتلك الكراسي التابعة لما يسمونه "قهوة" التي يجلس عليها بعض الوجوه المكفهرة تتنفس بعض الدخان وتملأ الشارع بروائحها الكريهة في رغبة منهم لأن يجعلوا هذا الشارع كله يختنق كما يختنقون.

يدخل إلى البناية، وإلى الجزء المفضل دوما من رحلته تلك، ذلك المصعد الذي يستقبل بمرآة، يرى فيه ما تحول إليه مظهره، يرى فيه تقدمه في حياته الزومبية. إلى ماذا تحولت، ظهرك يؤلمك؟جداً؟ ماهذه الغبرة التي تملئ وجهك؟ شبح إبتسامة يظهر على وجهك، تستند على أحدى جدران المصعد، وتضغط على الطابق الذي يجب أن تصل إليه، وإلى وصولك تتأمل وجهك في المرآة. إلى من أصبحت؟

تلج المنزل، تتكلم هنا وهناك تخبر عن أخبار عملك وتستمع إلى أخبارهم، تضحك قليلاً، ثم تمسك بهاتفك، تضغط الزر المشهور. وتقبع ساعات، قد تغير من جلستك وقد تتحول إلى جهازك الأكبر، وتقفز بين الصفحات وبين ممن تتكلم معهم. لا تفكر سوى فيما تكتب، ولا تكتب سوى فيما فكرت فيه. تضيق بك دائرة تفكيرك، تكرر كلاما قلته كثيراً، وليس بين هذه الأحاديث شيء ينعش تلك الروح ويوقظها، كل الأحاديث عن الواقع، عن السفر، عن العلم، عن الكسل، عن العيوب، النقاشات تطول في فراغ ممتد. زومبي يتحدث، emotionless talks .. أحاديث فارغة، باردة، لا تخرج منها بطاقة أو رغبة عارمة في التغيير، توقن أن الخلل ليس في تلك النقاشات، ولكن حتماً فيك.

تضغط على الزر لتنقطع عن ذلك العالم، دقائق وتقول لم أرى ذلك الpost .. لم أقول لذلك الشخص المعلومة التي يجب أن يعرفها، فتضغط الزر مرة أخرى، وساعات أخرى تنقضي.. ولا تعلم أن عقلك يقضي ساعاته الأخيرة ليموت مرة أخرى..

وضعته في القبر وغطيته بالتراب. مات في كل يوم فعلت ذلك الروتين، في كل يوم لم تصبر، في كل يوم لم تتغلب فيه على أفكارك وعلى رغباتك وعلى نفسك الأمارة. أصبحت كما أصبحت بارد المشاعر، بارد الملامح، وبارد الأفكار. لا تفكر سوى في أهوائك، وبالتالي لا تفكر سوى في نفسك، تقودك أهوائك، فأصبحت زومبي من الطراز العريق. 

تستجمع الآن قواك العقلية، في رغبة جامحة أن تعود إنسان. حياة الزومبي باردة، لا تحمل أي معنى، أدائك فيها سيء، وربما الأسوأ على أي مستو، تركيزك فيها أقل من الصفر بمراحل، عندما يبدأ نقاش ما وتحاول أن تجمع بعض العبارات المفيدة تخونك قواك، أصبحت لا تستطيع الكلام، أن تجري أي حوار مفيد مع أحدهم، تسبقهم دوما بنظراتك الباردة، وهروبك من الأسئلة بأجوبة باردة هروبك من البذل ومن العطاء وربما أيضا من أبسط ما يمكنه أن يثير حديثا لكي لا يُثار. خوف وجُبن في أن يخونك لسانك فيُخرج الفراغ الذي في داخلك، خوف من أن تسقط ربما في مزيد من القبح فيلي ذلك مزيد من الإبتعاد عن الإنسان وأكثر قربا من الحيوان. 

تستجمع قواك، وتحاول أن تعيد ذاكرتك إلى العمل.. ربما تلك الذاكرة إن عملت مرة أخرى ستذكرني بما أنساه، ستذكرني بما أنساه من نعم وحقوق وواجبات. تذكرني باليقين الذي يُنسى في خضام الحياة. تلك الذاكرة التي نضب عنها أي مظهر من مظاهر الحياة فأصبحت كقرية موحشة أبواب بيوتها تصدر أزيزاً كلما عبر من خلالها بعض من رياح، وزروعها باتت جافة، أنقطع عنها ماؤها، ترتجف من العطش حتى ماتت في هدوء. 

تستجمع قواك لتعيد الحياة إلى قلبك الذي فقد الإحساس. لماذا يبدو قاسيا هكذا.. فكّر في كل شهوة، وفي كل نظرة، وفي كل فكرة. فكّر في كل صلاة أضعتها عن وقتها، في كل غيبة وكل كذبة وكل بذاءة، فكر في ضعف يقينك، وفي ضعف إيمانك، في ذكرك القليل، وعدم صبرك على طاعة. فكّر في ركونك وإطمئنانك إلى الدنيا، في حبك لعلم جعلك تبتعد عن الطريق. أهذا سبيل العلم الذي يوصل إلى الجنّة. ليس هكذا حتماً .. 

فكّر بإهتمامك بالناس، وبحكم الناس وبرأي الناس. فكّر كيف تفكر فيهم، وكيف تظنّ ظن السوء. فكّر في كل خطأ فعلته، ونويت فعله. فكّر في ما تقوله ولا تفعله وما تفعله وتقول عكسه. فكّر في كل ذلك.. ثم أعد السؤال.. لماذا قلبك قاس إلى هذا الحد؟
ربما الآن بدأت في الإفاقة؟ لماذا تطلب الأمر أسابيع من المعاناة؟ أكنت تحاول مقاومة ذلك كله، أن تحارب كل مصادر الوقوع؟ هل كنت تحاول أن تبقى لأنك بالفعل تريد أن تُفيد مستخدماً تلك الأدوات؟أم أنك لم تكن تريد من الناس أن يقولوا شيء عنك؟ مزيد من التفكير عن الناس. هل ذلك هروب بشكل ما؟ الشخص الفارغ هو من يمتلئ عقله بتلك الأفكار. وصدق أو لا تصدق الشخص المنشغل أيضا يمكنه أن يفكر في كل تلك الأفكار. ليس مصدر تلك الأفكار فراغ، بل هو عقل أعتاد أن يفكر هكذا، على نفس ماكرة، وعلى أهواء دوماً تحوم لتشدك إلى أسفل. 

وترددها كثيراً .. ولكنك توقفت عندما أصبحت زومبياً .. "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك".. في كل أنواع الرزق، يظهر أمامك الطريق القصير، والطريق الطويل.. طريق الصبر والحلال، والآخر تتبع الأهواء فالحرام. في كل رزق، في حب، في صداقة، في عمل، في علم، في سعادة، في رضا، في بذل، في طموح، في حلم، في سعي، في تواصل ما، في خير تفعله، في كل رزق! يزين الشيطان دوماً ذلك الطريق الحرام، فيبدو حلالا لوهلة، وعندما تفعله وتصدق نفسك في لحظة يهبها لك خالقك، تدرك حجم الوهم الذي كنت تعيشه.

لا تعلم كيف بداية التغير، ولكن تعلم بشدة أن مقاومتك باتت بالفشل، وأن تلك المعادلة التي وضعتها سابقاً فشلت. وأنك لا تستطيع العيش هكذا، وأن أهوائك تسبقك إليها، يمكنك أن تؤدي دورك الذي تريد أن تؤديه بدون ذلك التمحور حول ذاتك وحول your profile .. يمكنك أن تمنح كل ما تمنحه هناك والذي يصبّر نفسك على كل سوء يأتيك من بقاءك على تلك أدوات التواصل الإجتماعي ..يمكنك ان تمنحه باستخدامك لتلك الأدوات بطرق أخرى، وذلك الوهم الذي يملئ عقلك، بأن بقائك بعيداً سيُفقد الناس وجودك ويفقدك تواصلك بهم هو كما أقوله لك وهم. إن وهم التواصل ذلك الذي يجعل منا ومنهم أناس يملكون أدوات الحكم على الآخرين والتأمل في صورهم وما يكتبونه لنعرف من هم ولم هم ونظن أننا هكذا عرفنا من هم. وعندما نراهم في الواقع نعاملهم بذلك الحكم السابق، فيبدو ذلك الحكم بعد ذلك من أكثر الأحكام ظلماً.  وعندما تفكر بأنه أداة إتصال، يشبه في وظيفته وظيفة الهاتف وتفكر في حجم التحول الذي آل إليه الأمر يشعرك هذا الأمر بأن السلوك الإنساني يعقد دوماً بساطة الأمور.
لا انسي تلك العبارة التي قرأتها في مكان ما :"مؤسسو هذه المواقع يعملون بجد لكي تبقى عليها مدة طويلة".. ونحن ببساطة نستجيب لرغبتهم في زيادة أرباحهم. رغبتهم في بقائك ليس عملا إجرامياً كما ظننت في البداية. ذلك الذي يزين لك منتج ما لا يحاول خداعك، إنه يستميلك إليه، ودوماً أنت من تختار أن تميل إليه أم لا. ومادام هناك اختيار بين يديك فأنت فقط المُلام.
ليس المؤلم معرفتك أنهم يفعلون ما يشدك للبقاء، فكما قلنا ذلك ليس بالفعل المشين ولكن أن تعلم أنك ضعيف لتلك الدرجة فهذه هي المشكلة.

وكما أعتدت كلما تحولت إلى زومبي وبدت حياتك روتينية غبية، أغلقت ذلك الأزرق، ورميت الهاتف بعيداً وأخذت نفساً عميقاً وأفرغت عقلك من هموم الأزرق ومشاكله ومن أحكامك على فلان وفلان. وأمسكت بورقة وقلم، وبدأت مرة أخرى تُعمل عقلك فيبدأ القلب مرة أخرى في ضخ الدماء.


لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
إذ ذهب مُغاضباً .. ربما ذهاب الغضب، والهروب من المسؤولية هو العكس هاهنا.. كنت دوما أرى أن عدم القدرة على التحكم بالأزرق فإغلاقي له هو هروب وغضب. ولكن بعد تأمل، وجود الأزرق يساعد على الهروب والغضب، تذهب مغاضبا من نفسك ومن عيوبك ومن إصلاح ومن صبر .. إلى أزرق تؤوي إليه.. إنه تلك السفينة التي ركبها يونس عليه السلام، إذ ذهب مغاضباً .. نركبه كثيرا في أيامنا، لكي نهرب من مواجهات عدة مع أنفسنا، ومن عمل وبذل وتفكير ومن علم.. يكسبنا عادات سيئة ولكن نصر على البقاء بين جدرانه. أحيانا تكون قويا وتتحكم به، وأحيانا إن أطلت المكوث، ونسيت الذكر، أصبحت السفينة التي ستقودك إلى بطن الحوت، الذي ما أن يبتلعك وترى تلك الظلمة والوحشة وحياة الزومبي تبدأ في تغلل حياتك، يكون حينها ذكر لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، هو فعلا المخرج، هو الإدراك بأنك ظلمت، وبأنك لم تذكره سبحانه كفاية، وأن لا إله إلا الله لم تكون ما يحركك..
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

 
*الأزرق=facebook


No comments:

Post a Comment