Friday, November 14, 2014

عزلة ..

نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل..
هذا بإختصار ما أمر به..
هذا بإختصار حجم الأفكار السلبية والخاطئة ..هذا بإختصار لماذا تقع ..هذا بإختصار لماذا تنعزل تماما لتفكر .. أن تشغل نفسك بالباطل..وعندما يحدث ذلك .. تضيع تماما..
تشغل عقلك بماذا؟ بتوقعات المستقبل الذي لا تعلمه .. بخطوط العرض والطول التي ترسمها وتتحرك من خلالها .. إنه أن تفقد كل قدرتك على العمل..لأنك مشغول بالتفكير في ماذا سيحدث!
ماذا سيحدث؟
تفكر في الماضي .. لم تتوقع يوما ما حدث .. فلماذا تحاول الآن التوقع؟
لماذا لا تعمل .. ويقينك مشغول بكيف يبقى اليقين ثابتاً .. 
لماذا لا تثق ..وتتوكل..وتحسن الظن ..
لماذا حجم تلك الأفكار السلبية؟
العزلة تزيد من الأفكار السلبية .. شعورك بأنك الضحية ..محاولتك أن تضحّي من أجل سعادة الآخرين ..كلها من أسهل ما يمكن أن توقع نفسك فيها ..
أما أن تواجه.. أما أن تقف أمام تلك الأفكار .. أما أن تشغل نفسك بالحق.. تشغل نفسك لما خلقت له ..
حتما سيكون الأمر مختلف .. 
*
موضوع فُتح من جديد .. لاتدري كيف وماذا حدث .. لاتدري من جعلك تنطق وتتكلم .. تلك الصداقة..تشغلك! لعلّها .. بل لماذا لعلّها ..لماذا لاتوقن بأنها الخير من ربّك سبحانك .. ان تُقاد لكل ما يحدث ..بلاحول لك ولاقوة ألست أنت من تحرك لسانك دوماً بلاحول ولاقوة إلا بالله؟
قبيل أن أسترسل في الحديث مع صديقتي تلك .. قبيل أن يبدأ اليوم .. أستيقظ مرهقة .. ليس جسديا بل عقلاً .. لا أستطيع التفكير أقف امام المسائل أراها ولا تصل إلى عقلي .. أحمل الهاتف .. أضغط على الإتصال ر بشبكة الwi-fi .. وأجد ماجعلني مرهقة هكذا .. رسالة من تلك الصديقة..
لن أكتب عن ماذا شعرت حينها .. ولكني أرسلت سريعاً ما يدور في عقلي .. وماجعل الأمر يبدأ .. "أيوا هبعد عن الناس كلها" .. أرمي الهاتف.. أمسك القرآن ..أقرأ .. وفي المنتصف.. يامولاي .. لا أريد ذلك ..
لا أريد أن أبتعد عن الناس .. ولا أريد أن أكون كئيبة .. ولا أريد أن أكون أسيرة أفكاري السلبية .. لا أريد أن أكون هاربة .. لا أريد أن أكون متقوقعة .. ذلك ليس الإختيار الصحيح .. أفكر أفكر أفكر .. ثم ..
من سياعدني سوى رب العالمين؟لا أحد.نقطة.
وضوء .. وسجود .. إستخارة .. إستخارة ..إستخارة ..
وأنظر إلى المدد الرباني بعدها .. أنظر إلى حجم الرضا الذي سيملئ قلبك .. لا والإبتسامة .. لا بل قولك الحقيقة دون أن تشعر بالسوء .. إعترافك بأنك نعم ذلك السيء .. بأنك نعم ذلك الذي فكرت في نفسك .. بأنك نعم الآن ذو أفكار سلبية .. بأنك أخطأت ومازلت تخطئ..
هدوء وسكينة .. عندما تراجع ماحدث .. وتقرأ الكلام مرة أخرى .. فقط لا ترى سوى كرم رب العباد وتيسيره .. أنت .. وأنت ..وأنت .. لم تفعل شيئاً ..
يومان .. تفكر.. في ماذا ستقول عند اللقاء .. ياه.. تفكر كيف يشغلك الأمر أكثر من هذا الإمتحان الذي تدخله للمرة الثالثة .. تفكر تفكر .. تذهب لوالدتك .. تتكلم .. تجلس مع عائلتك تتكلم .. وثم.. إنما أشكو بثي وحزني إلى الله .. وثم .. يارب أصلح حالنا .. وثم .. مدد آخر!
تختلط أفكارك .. ليس فقط الصحبة ..وليس فقط الإمتحان .. بل أمور أخرى .. كل الذنوب التي ترتكبها ..كل الأخطاء .. كل الكلام الذي قلته ولم يجب عليك أن تقوله .. كل النظرات التي نظرتها .. وغرست في قلبك حراما .. كل الأفكار .. كل الأمور السيئة .. التي .. وإن عزمت توبتك .. سيغفرها رب العباد .. وأنظر أيضا .. يُمكن أن تُمحى تماما .. 
أجد رسالة من أمي .. تخبرني "والأهم يكون ربنا راضي عنك" .. ياه! ياه!
كالسهم .. كالسهم .. في مقتل يا أمّي!
ليس رضا المخلوقين ما يهم .. ليس رضا نفسك لنفسك ما يهم .. الأهم .. الله سبحانه وتعالى..
أتذكر ما كتبته منذ يومين عن الجنة .. أقف عاجزة .. يوم فقط يمكن أن ينسيك ما كتبت ما شعرت؟
تتذكر .. القلوب بين يدي الرحمن يقلبهما كيف يشاء .. ليبلوكم أيكم أحسن عملا!
سبحان الله .. سبحان الله ..
العزلة تثير أفكارا كثيرة ..والكثير والكثير من السلبي منها..
تشعر أن في كرة ضيقة .. ان سقف السماء قريبة جدا.. أن إمكانياتك محدودة للغاية ..
تشعر أنك لن تستطيع الإكمال .. وتشعر أنك تريد الفناء والآن .. هربا من كل شيء ..
رغم أن بعض تلك الأفكار .. مكررة .. شعرت بها سابقا وحاربتها سابقا ..
ألا أن لكل مرة .. مذاق مختلف ..
وأن كل مرة .. وكل عزلة .. تقويك أكثر ..
وفي كل عزلة وسقوط هناك دوما شمعة تُضاء .. هناك دوما حقيقة تظهر وراء تلك العزلة .. هناك دوماً .. حق يظهر!
هناك دوماً جلد يبدّل .. قلب يتغير .. أحلاما تعدّل .. 
وتلك الألام التي دوما أراها .. آلام ولادة جديدة ..
هي حتماً .. آلام ولادة جديدة ..
ومن الألم دوما تأتي المعجزات ..
ومن الألم دوما .. يقترب القلب لخالقه أكثر وأكثر ..
ويعلم حقيقة الحياة الدنيا ..

فيارب ..
يامن كتبت لنا هذه الحياة .. وقدرت لنا كل ما نمر به ..
إن لم يكن بك علينا سخط فلانبالي ..
فلانبالي يامولاي ..
أرزقنا صبرا ويقينا وقوة .. يامولاي..
لكي لا تتعثر خطانا إليك ياحقّ ،،

* سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ..

Tuesday, November 11, 2014

ظلمة..

تصارع .. تصارع وتحارب هوى نفس .. لذات .. وشهوات .. صراع .. همتك ليست دوماً عالية .. لست قوياً دوما .. احيانا تسقط ..وتسقط بعنف.. تفكر في كل شيء .. وتعلن الحرب على كل شيء..
تبتعد .. تصمت .. تفكر .. تقرأ .. تكتب .. تهدأ ..
تفهم تصرفاتك وتبدأ في وضع كل شيء في مكانه .. تنظم أولوياتك .. تعيد ترتيب علاقاتك بالجميع .. تهدأ نفسك ..
تحتضن كتاب لابن القيم .. يردد عظمة تلك الآية "أذكروني أذكركم" .. تتأملها .. يمتلئ قلبك بالرضا .. 
ذكر .. ذكر ..
كم من أمن في ذكره سبحانه.. لن يخيب الذكر بأن يوصلك لبرٍ آمن. 
فأنت لا تحرك لسانك فقط بكلمات .. ولكن قلبك يتذكر ويستيقظ .. يشرق بذكر خالقه .. خالقه ..
يبادرني خوف .. خوف من وحدة .. خوف من عدم قدرة على السيطرة .. أتذكر .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..أتذكر.. عزّ جارك وجل ثناؤك ياحقّ .. 
أهدأ .. من يعلم ضعف هذا القلب سوى من سواه وخلقه ..
في بعض صفحات الكتاب .. يخبر عن فضل الصلاة عن الذكر وفضل الذكر عن الدعاء .. ليقود إلى نقطة مثارة دوماً لدي.. أيهما أفعل؟ أحيانا يهفو قلبك لذكر الله .. وأحيانا تتمنى لو وجهك ساجد ..وأحيانا تشتاق ليد ترفعها .. وأحيانا فقط تريد الجلوس والكتابة .. عن ذلك الذي يملئ قلبك .. وأن تناجيه سبحانه بكلمات تكتبها.. وعندما أشار الكتاب أن فعلك لما تشعر بأنه الأفضل لك ..هو الأصح إذا كان لايفوت بذلك ما يفوت بوقته .. كأن يسلّم عليك أحدهم وأنت تقرأ القرآن .. فردّك للسلام لايفوت ماتقرأ. فهنا فضل وفضل وقد فضلّت أحد الأمرين "ردّك للسلام" لكي لايفوت..
سلاسة وتنظيم لعقل.. يمكنك أن توزن الكثير من الأشياء على هذا الميزان.. بعيداً عن تفكير الهرب من المسؤوليات والفرائض فليس هذا هنا .. فلا تفويت لصلاة من أجل عمل.. فليس عن الفرائض فهي واجبة لاتفوت .. ولكن عن السنن .. عن مايجتمع إليك في وقت من الأوقات .. هذا أم ذاك؟إختر ما سوف يشرق له قلبك .. ماسوف يقربك أكثر .. ماسوف تخرج منه بالفعل آخر .. يقظ مستيقظ ..
وليس هنا للكسل مكان.. فليس إختيارك لأنك لا تريد صلاة نافلة الآن.. إن كان ذلك فأنت لا تخدع سوى نفسك.. كن صادقا.. فأنت مراقب..
يشرق القب بذكر مولاه ..
تزول كل هموم الدنيا .. بكل ما فيها .. بكل من فيها..
يشرق .. من ظلامه ..ومن نومه ..يشرق فتنتشر انواره .. فتنير الجوارح والعقل .. 
يهدأ .. كل الأنين .. يهدأ كل الضجيج ..
ترى القبر .. تلك المرحلة التي ستمر بها .. أمامك الآن ..
تراه .. ترى نفسك بداخله .. روحك غادرت جسدك ..
روحك .. ذهبت لبارئها ..
رُدت الأمانات .. 
أي حال تريد أن تكون أمانتك؟
تريدها مظلمة مبعثرة منهكة؟
أم مشرقة يقظة نقية؟
في ذلك القبر .. في ظلمته .. 
هل سيشبه ظلمة الرحم؟
سيحاط بنا بالأحجار من الجوانب..
سيضيق الكفن .. لباس أبيض يغطي جسدنا أجمع ..
سيكون ذلك القبر ضيق جداً .. أو واسع جداً .. 
من سيعتني بنا هناك؟
من سيكون معنا هناك؟
من سيرانا هناك؟
والدتك؟والدك؟أخوتك؟أصدقائك؟
تسمعهم ولايسمعوك! تشعر بهم ولا يشعروا بك!
أنت هناك .. كما كانت بدايتك ..
وحيد..
وحيد..
إلا من قريب ..
قريب إليك .. قريب منك .. أقرب من حبل الوريد "مصدر حياتك"..
خالقك .. الذي دوما كان معك .. الذي دوما كان موجوداً .. الذي دوماً كان هنا وهناك وفي كل مكان ..
خالقك.. الذي تتذكره بين حين وحين .. الذي تصحو أحيانا من غفلتك للتذكر جحودك .. وتتذكر كبرك .. وغرورك .. فلاتستطيع البكاء.. فقط تنظر إلى السماء.. تحاول الإدراك .. تحاول أن تفهم كيف لك أن تكون كذلك!
خالقك .. الذي في شدتك .. يدعوك سبحانه .. وعندما تركض نحوه سبحانه .. يحتويك .. فلا يطردك أبداً .. يسمعك .. وتجد الرسائل من حولك .. والهداية التي يبعثها سبحانه .. والرضا الذي يملأ به قلبك .. فتكون هادئاً.. مبتسما..رغم الكرب وشدته..
خالقك سبحانه .. الذي في حين تنساه .. يبعث لك من يدعوك لتتذكره .. هو الغنيّ .. الذي لايزيد في ملكه شيء إن أطعته واستجبت له .. يبعث لك سبحانه .. لأنك عبده ..لأنه لايريد لك شقاءا ..سبحانه ..
خالقك .. الذي كان معك في ظلمة الرحم..
ويالها من ظلمة! في تلك الأيام .. التي لا تدرك منها شيئا.. كان معك سبحانه!
كان أقرب إليك من والدتك التي تحملك.. هو الذي كان يراك سبحانه .. هو الذي كان يرسل لك الغذاء الكافي .. لكي تنمو ..
هو الذي خلق ويسر لخلايا جسد والدتك .. أن تحميك .. أن ترسل لك كمية من الغذاء الكافي .. لا المفرط ولا القليل..
هو الذي أحاطك .. وشكلك .. وخلقك وأوجدك ..
من كان موجودا قبل أن توجد! 
يالها من ملحمة .. يالها من إدراك يعجز عنه العقل! 
يالها من عظمة!
خالقك .. 

يارب كن معنا في ظلمة القبر، كما كنت معنا في ظلمة الرحم..
يارب عفو وعافية .. ورحمة تنجينا بها من عذابك وسخطك وغضبك سبحانك ..

Monday, November 10, 2014

seeking وضوح ..

تغلق الباب.. النافذة.. الضوء .. تحيط نفسك بالغطاء.. وتخفي وجهك في الوسادة .. تفكر في اللاشيء .. تفكر في قصص طفولية .. أصدقاء يتشجارون من أجل الجلوس على المقعد الأمامي .. آخرون يتشجارون من أجل صديق آخر.. آخرون ينحرفون عن الطريق لهموم وأحزان .. خيال خيال .. تقفز هنا وهناك .. تسافر أميال .. وأميال .. ترى فتاة في القرن التاسع عشر .. تفكر في التفاصيل الملابس.. الأثاث.. أسلوب الحياة .. تغوص في ذلك ..تماماً .. حتى تنام!
كثيرا ماتفشل في القفز إلى هذا الخيال .. وإلى ذلك العالم الذي فقط في عقلك .. وتبقى مقيداً كثيرا بما في الواقع من أحداث .. فيأتي خيالك .. ليرسم مالم يرسمه الواقع .. بأداته الخيالية .. فتغوص في كل التفاصيل .. وتصاب بإنهاك حقيقي .. حتى تتوقف فجأة .."كفاية بقى..حرام كده!" ..ثم تستسلم لنوم آخر ..
أحياناً تواجه تلك المشكلة في عدم قدرتك للقفز إلى اللاوقع .. بالقراءة .. وهنا نوع الكتاب يمكنه أما أن يصلح حالك أو يفسده أكثر.. تختار دوماً كتب لإبن القيم تنهي بها يومك .. بعد أن كانت الروايات تعجزك عن النوم أكثر .. وتعجزك أيضا عن الإستيقاظ..
**
سؤال: هل أعبد وأتقرب من أجل الدنيا؟من أجل تيسير دنيوي؟ والسؤال الأكبر من هذا.. هل هذا فقط ما يهمني؟ الحياة الدنيا؟
قفز اليوم في عقلي هذا السؤال .. رغم أن إجابته واضحة تماما .. ألا إني أعجز أن أكون واضحة في الإجابة .. أقول "نعم" .. ثم أتراجع وأقول .. "لأ أكيد لأ".. أراقب تصرفاتي الفترة الأخيرة .. فأعود وأقول "نعم".. ثم أفكر في لحظات بعينيها ..كانت الإجابة "لا".. فأقول لا .. وأرددها كثيراً ..
أحياناً تحتاج لأن تنظم أفكارك .. تنظمها لكي تستمر في العمل.. فسؤال كالسابق كفيل أن يصيبك بإحباط مزمن .. أنت تعبد من أجل دنيا؟ هل هذه آخر طموحاتك؟وهل هذه آخر همومك؟
الفهم الخاطئ لبعض مايذكر في كتب ابن القيم .. يجعل هذا السؤال مثاراً دوماً .. فعندما تجد الكاتب دائم الإشارة إلى أن قلبك إذا تعلق بالله وحده سبحانه .. أنفتحت لك أرجاء الدنيا .. بأن معيته سبحانه سترفع عنك الهموم كلها .. هموم الدنيا.. الفهم الخاطئ لهذه العبارات ..هو أن تتحول عبادتك وإقترابك .. كوسيلة لأن تأتي الدنيا راغمة لك .. هل ترى الفرق؟ بأن تعبد من أجل دنيا؟ وأن تعبد من أجل رضا رب العباد فتأتيك الدنيا والآخرة؟ والمزيد .. حتى وأن لم تأتيك الدنيا بمفاتنها تبقى عابداً .. قلبك راضي .. حتى وإن لم تحقق ما تريد .. أنت كما انت .. عابد راضي .. فربك في الشدة هو ربك في الرخاء .. تفكر أكثر..
أليس الله سبحانه وتعالى ينادينا :"أمن يجيب المضطر إذا دعاه" .. وكيف كان يلجأ رسول الله في كل أمر يفزعه إلى رب السموات والأرض وما فيهن! تفكر .. أليس ذلك شدة .. وأليس ذلك لجوء لأن هناك شدة دنيوية! تفكر أكثر ..
"وما انزلن عليك القرآن لتشقى" .. كل الأوامر والنواهي في صالحنا .. كلها من أجل إصلاحنا .. من أجل أن نعيش في خير .. ونمضي على الصراط المستقيم الذي أراده رب العباد لنا .. لأنه الوحيد سبحانه من يعلم فاقتنا وحاجتنا .. تبدأ الأمور في الإتضاح؟ربما.
أستطيع فهم أن يكون الإنسان عابدا تقيا من أجل رضوان الله .. من أجل أن هناك حياة بعد الموت .. وتلك الحياة التي بعد الموت .. جودتها تحددها حياتنا الآن .. إن كانت عبادة الإنسان لربه من أجل نجاة من النار وفوز بجنّة فهو لن يستطيع تحقيق ذلك إلا بإيمان وإخلاص لرب تلك النار وتلك الجنة .. لربّه الذي سيحاسبه .. تلك النية .. بأن يفوز بجنّة .. لن تأتي أبداً بدون أن يفوز برضوان ربّه .. فالأمر إذن سيان .. لن تدخل جنّة سوى بعد أن ترضي ربّك. ولن ترضيه بأن تكون لاهثا وراء متاع دنيا .. بل موقن ومؤمن بيوم بعث .. بيوم لن ينفعك فيه الأهل والمال والصحب .. سينفعك ذلك الإيمان .. وذلك اليقين .. وأعمالك التي جعلتها خالصة .. خالصة ..خالصة.
إذن. لا جنة دون رضاه سبحانه. هناك فكرة صوفية... تقودك إلى يجب أن يكون الإنسان مرتفع .. يريد رضا ربه .. سواء بجنة أم بلا .. أتذكر الإمام الغزالي راداً على تلك الفكرة في كتابه جدد حياتك مثيراً إلى نقطة مالعيب في أن تتمنى الجنة؟.. وما العيب في أن نشتاق للجنة وربنا سبحانه قد جعلها لنا؟ وما العيب أن تهفو الأنفس لها وفيها سنرى الأحبة وإن كنا من المحظوظين .. سنرى ربنا سبحانه وتعالى هناك؟ ما العيب أن نشتاق لما شوقنا إليه القرآن من النعيم الذي لا ينفذ؟
أن يلتبس عليك أمر لماذا تعمل ما تعمل.. ولماذا تعيش حياتك هنا .. لماذا لا تستطيع أن تشتاق للجنة خوفا من أن تكون تتمنى شيء سوى رضا رب العباد .. أن تكون في منزلة العابد من أجل متعة لامن أجل الرضا.. إلتباس يؤرق المسيرة .. حقاً يؤرقها!
إذن. الجنّة هي رضا رب العباد عنّا.. تريد الجنة .. تشتاق إلى الراحة.. تشتاق إلى صحب رسول الله.. تريد أن تكون هناك .. تريد أن تكون من الفائزين بها؟ لأنها أرض من رضي الله عنهم وأرضاهم.. لأنها أرض من أتقى وأرتقى .. وجاء بقلب سليم معافى.. فاطلبها..اسعى لها.. اسعى لها.. لن تفوز بتلك الأرض .. سوى أن ترتفع وتُرضي رب العباد عنك.. لن تستطيع الفوز بها ..ولا أن تكون من أهلها (مرة أخرى الذين رضي الله عنهم وأرضاهم).. إلا أن ترضيه سبحانه .. أطلب الجنّة .. أطلبها .. فهي ملتقى الطائعين القانتين .. من رضي الله عنهم وأرضاهم .. 
وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
**
أما أن تعيش من أجل الدنيا .. السؤال السابق كان سببه .. فعل خاطئ + أمر أنتظره .. وخلال الفعل الخاطئ أتى على عقلي نداء :"ومن يتق الله يجعل لها مخرجا" .. ففكرت في الأمر الذي أنتظره .. وفي أثر ما أفعله على ذلك الأمر .. لن أنجح إذاً؟ آها هكذا بدأ الأمر.. تحاول أن تتخلص من تفكيرك هذا الذي مصدره الندم على مافعلت من خطئ وتقول أن عملك الخاطئ لن يؤثر على ما تنتظره.. بل سيؤثر في بركته.. تفكر بطريقة أخرى .. أن ذلك العمل الخاطئ .. يفسد عليك آخرتك لا حياتك الدنيا .. تفكر بطريقة أخرى .. أن الأمر الذي تنتظره بدون حول وقوة الله سبحانه وتعالى لن تحصل عليه .. توصل الأمور ببعضها .. أن معية الله سبحانه وتعالى التي تسألها لن تأتيك لأنك أخطأت .. تفكر .. هناك من يحصل على مايريده بالعمل الجاد.. تتوقف عن التفكير.. لتعترف أنك غافل تماما .. وهل تريد بعملك الدنيا أم الآخرة؟ من ينجح بعمله الجاد وفقط بدون أن يسأل معية الله .. يفعل عمله لمن؟ تذكّر نفسك .. أم أمنوا مكر الله! .. ووتذكر .. تلك الآية:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
وتتذكر تفسيرها .. الذي يشكل لك أن السعادة لن تكون في أي شيء سوى رضى رب العباد .. أن ما تريده بشدّه .. سيهيج سيهيج .. ثم تراه مصفراً .. العلاقات التي تهيج .. ثم تصبح صفراء .. العمل الذي يهيج .. ثم يصبح أصفر .. كل ما تقتنيه من جديد .. يهيج يهيج .. ثم يصفر .. ترغب فيه بشدّة .. ثم تحصل عليه .. يكبر في قلبك .. تحبه تحبه .. ثم يصفرّ .. تفقد الرغبة فيه .. ثم يكون حطاماً .. لاشيء .. يكون لاشيء!
ومالحياة الدنيا إلا متاع الغرور .. هي ليست سوى تلك الرغبات والأحلام والأماني ..أما في الآخرة إما العذاب الشديد.. أو تلك المغفرة التي لا تنتهي والرضوان الشامل ..هناك .. سينزع عنك الغل .. وسيقتلك الموت أمامك .. هناك حياة بما تحمله الحياة من معاني رائعة .. هناك أن تتنعم فلا يتحول النعيم إلى أصفر .. هناك الجنة .. الرضوان الذي لاينتهي .. سبحانك!

إقرأ الآن مرة أخرى أفكارك. أقرأ مرة أخرى تلك الحالة التي كنت فيها .. غافل تماما .. لاتدرك رغم علمك.. وهل الغفلة سوى أن تنسيك أن تدرك..
الدنيا بكل ما فيها .. بكل مراحلها .. بكل أمانيها .. بكل ماتريد تحقيقه فيها .. إن لم يكن لله .. سيأتي يوم ويكون مصفراً وحطام .. سيرهقك دنيا وآخرة .. وإن كان لله خالصاً .. قلبا وقالباً .. سيقربك.. سيرفعك.. سيغيرك..
استغفر ربك .. 

عد إليه ..
وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ* وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ