Tuesday, August 18, 2015

Zombie Life


تمسك هاتفك، تضغط على أيقونة الwi-fi ليضيء لونها بالأخضر وترى تلك العلامة الساحرة في أعلى الشاشة بأنها قد أتصلت بشبكة إنترنت ما. تلهث أصابعك لتفتح ذلك المتصفح فموقع التواصل الاجتماعي الأزرق الذي يُشبع رغباتك في التواصل والتعبير عنك والتحدث عنك والتمحور حولك. تأخذ جرعتك من تحقيق نفسك الوهمية، ثم تقوم من مكانك وتنفض فراشك، وتتجه لتغسل وجهك. بداية يوم، يوم في حياة زومبي. زومبي فقد الروح، فقد الطاقة التي تجدده.
 
يرتدي ثيابه، ينظر إلى جهاز هاتفه، رسالة واردة هنا وهناك، يرد وهو يتناول إفطاره، لا يفكر عقله تعطل عن العمل منذ السويعات الأولى فقط يفكر في ماذا سيقول، وماذا قال سابقا، وماذا سيقول مستقبلا. يرمي جهازه في حقيبته، يعلم بشاعة ما يعيشه ولكنه يستمر بالعيش بهذه الطريقة، يجمّل ما يصنعه، ينوي النوايا الطيبة.. ولكنه لا يراقب ضمور خلايا عقله، والأسوأ ضمور خلايا قلبه. يلبس حقيبته يتأكد من وجود المال الكافي لإيصاله إلى مكان عمله. يلبس حذائه، يفتح الباب..يخرج.

لسانه يتحرك ببعض أذكار، يركب التاكسي يخرج هاتفه، يقرأ بعض صفحات من القرآن يفقد تركيزه كلما تقدم في القراءة، يعود ويقرأ الصفحة مرة أخرى ومرة أخرى إلى أن يجد تركيزه الذي يضيع في ماذا قيل وماذا سيقال وهذا وذاك..يصل إلى مكان العمل، يخرج جهازه الأكبر يجلس بعد تبادل التحية هنا وهناك، يضع تلك السماعات التي تعزله ولو قليلا عن ضوضاء عقله، يسمع قرآن ولكن أنى له أن يركز. يعمل ليقضي وقته، أين أختفى حماس اللحظات الأولى، أين أختفى ذلك الشعور بالبذل وذلك الإتقان. أين ولّى ذلك النشاط وتلك الروح، تلك الروح المبتسمة الراضية، الطموحة، والمعطاءة؟

يسأل نفسه كل يوم بعد انقضاء ساعات العمل، يخرج وتلك الحقيبة وراء ظهره، كأحمال ذنوبه وأخطائه. يحملها يركب ذلك الmicor-bus مع وجوه أخرى. وجوه تحمل الإرهاق والتعب، وأخرى تحمل شرا تُخرج بعض منها في سباب عابر هنا وهناك، ووجوه أخرى لا تنفك ترفع عينيها عنك لا تعمل هل هي شاردة إلى حد عدم الوعي، أم أنهم يبالغون في برودهم.

تغادره، حاملا حقيبتك التي بدأت تؤلم عمودك الفقري، تتجاوز العربات بتهور وتنظر إلى عيون من يقودون، كزومبي يعبر الشارع بثقة بأن هذا لن يقتله فقد قُتل سابقاً. 

يمشي، تلك الشوارع التي حملته دهرا وراء دهر، ينسى كل شيء، عقله لا يجمع ذكرى متكاملة. يحاول كتمان دموعه، هل تعرف كيف يشعر من لا ماضي له؟ هل تعرف كيف يشعر من لا يتذكر شيء؟ هل تعرف ذلك الشعور بأنك لا تستطيع أن تجمع ذكرى أحببتها يوماً؟ هذه الشوارع تتغير ملامحها أيضاً، هؤلاء البشر لم يكونوا هكذا وتلك اللافتات تغيرت، وهذا الشارع لم يصبح كما كان، يتغير كما تتغير أنفسنا، يتبدل إلى حال آخر ولم نكن يوماً نعلم أن هذا التغير قادم لا محالة. 

يصل إلى الشارع الذي يوجد فيه منزله، الألم الآن في ظهره قد بلغ حدّه. العرق قد بلل كل ملابسه يرى تلك الوجوه التي تقبع في هذا الشارع هي ذاتها كل يوم، تتغير ولكنها تبقى ثابتة لمدّة، هؤلاء الشحاذين وتلك الوجوه الغنية التي تتعلق بها أيدي الشحاذين. تلك العربات التي يعجّ بها الشارع، وتلك الكراسي التابعة لما يسمونه "قهوة" التي يجلس عليها بعض الوجوه المكفهرة تتنفس بعض الدخان وتملأ الشارع بروائحها الكريهة في رغبة منهم لأن يجعلوا هذا الشارع كله يختنق كما يختنقون.

يدخل إلى البناية، وإلى الجزء المفضل دوما من رحلته تلك، ذلك المصعد الذي يستقبل بمرآة، يرى فيه ما تحول إليه مظهره، يرى فيه تقدمه في حياته الزومبية. إلى ماذا تحولت، ظهرك يؤلمك؟جداً؟ ماهذه الغبرة التي تملئ وجهك؟ شبح إبتسامة يظهر على وجهك، تستند على أحدى جدران المصعد، وتضغط على الطابق الذي يجب أن تصل إليه، وإلى وصولك تتأمل وجهك في المرآة. إلى من أصبحت؟

تلج المنزل، تتكلم هنا وهناك تخبر عن أخبار عملك وتستمع إلى أخبارهم، تضحك قليلاً، ثم تمسك بهاتفك، تضغط الزر المشهور. وتقبع ساعات، قد تغير من جلستك وقد تتحول إلى جهازك الأكبر، وتقفز بين الصفحات وبين ممن تتكلم معهم. لا تفكر سوى فيما تكتب، ولا تكتب سوى فيما فكرت فيه. تضيق بك دائرة تفكيرك، تكرر كلاما قلته كثيراً، وليس بين هذه الأحاديث شيء ينعش تلك الروح ويوقظها، كل الأحاديث عن الواقع، عن السفر، عن العلم، عن الكسل، عن العيوب، النقاشات تطول في فراغ ممتد. زومبي يتحدث، emotionless talks .. أحاديث فارغة، باردة، لا تخرج منها بطاقة أو رغبة عارمة في التغيير، توقن أن الخلل ليس في تلك النقاشات، ولكن حتماً فيك.

تضغط على الزر لتنقطع عن ذلك العالم، دقائق وتقول لم أرى ذلك الpost .. لم أقول لذلك الشخص المعلومة التي يجب أن يعرفها، فتضغط الزر مرة أخرى، وساعات أخرى تنقضي.. ولا تعلم أن عقلك يقضي ساعاته الأخيرة ليموت مرة أخرى..

وضعته في القبر وغطيته بالتراب. مات في كل يوم فعلت ذلك الروتين، في كل يوم لم تصبر، في كل يوم لم تتغلب فيه على أفكارك وعلى رغباتك وعلى نفسك الأمارة. أصبحت كما أصبحت بارد المشاعر، بارد الملامح، وبارد الأفكار. لا تفكر سوى في أهوائك، وبالتالي لا تفكر سوى في نفسك، تقودك أهوائك، فأصبحت زومبي من الطراز العريق. 

تستجمع الآن قواك العقلية، في رغبة جامحة أن تعود إنسان. حياة الزومبي باردة، لا تحمل أي معنى، أدائك فيها سيء، وربما الأسوأ على أي مستو، تركيزك فيها أقل من الصفر بمراحل، عندما يبدأ نقاش ما وتحاول أن تجمع بعض العبارات المفيدة تخونك قواك، أصبحت لا تستطيع الكلام، أن تجري أي حوار مفيد مع أحدهم، تسبقهم دوما بنظراتك الباردة، وهروبك من الأسئلة بأجوبة باردة هروبك من البذل ومن العطاء وربما أيضا من أبسط ما يمكنه أن يثير حديثا لكي لا يُثار. خوف وجُبن في أن يخونك لسانك فيُخرج الفراغ الذي في داخلك، خوف من أن تسقط ربما في مزيد من القبح فيلي ذلك مزيد من الإبتعاد عن الإنسان وأكثر قربا من الحيوان. 

تستجمع قواك، وتحاول أن تعيد ذاكرتك إلى العمل.. ربما تلك الذاكرة إن عملت مرة أخرى ستذكرني بما أنساه، ستذكرني بما أنساه من نعم وحقوق وواجبات. تذكرني باليقين الذي يُنسى في خضام الحياة. تلك الذاكرة التي نضب عنها أي مظهر من مظاهر الحياة فأصبحت كقرية موحشة أبواب بيوتها تصدر أزيزاً كلما عبر من خلالها بعض من رياح، وزروعها باتت جافة، أنقطع عنها ماؤها، ترتجف من العطش حتى ماتت في هدوء. 

تستجمع قواك لتعيد الحياة إلى قلبك الذي فقد الإحساس. لماذا يبدو قاسيا هكذا.. فكّر في كل شهوة، وفي كل نظرة، وفي كل فكرة. فكّر في كل صلاة أضعتها عن وقتها، في كل غيبة وكل كذبة وكل بذاءة، فكر في ضعف يقينك، وفي ضعف إيمانك، في ذكرك القليل، وعدم صبرك على طاعة. فكّر في ركونك وإطمئنانك إلى الدنيا، في حبك لعلم جعلك تبتعد عن الطريق. أهذا سبيل العلم الذي يوصل إلى الجنّة. ليس هكذا حتماً .. 

فكّر بإهتمامك بالناس، وبحكم الناس وبرأي الناس. فكّر كيف تفكر فيهم، وكيف تظنّ ظن السوء. فكّر في كل خطأ فعلته، ونويت فعله. فكّر في ما تقوله ولا تفعله وما تفعله وتقول عكسه. فكّر في كل ذلك.. ثم أعد السؤال.. لماذا قلبك قاس إلى هذا الحد؟
ربما الآن بدأت في الإفاقة؟ لماذا تطلب الأمر أسابيع من المعاناة؟ أكنت تحاول مقاومة ذلك كله، أن تحارب كل مصادر الوقوع؟ هل كنت تحاول أن تبقى لأنك بالفعل تريد أن تُفيد مستخدماً تلك الأدوات؟أم أنك لم تكن تريد من الناس أن يقولوا شيء عنك؟ مزيد من التفكير عن الناس. هل ذلك هروب بشكل ما؟ الشخص الفارغ هو من يمتلئ عقله بتلك الأفكار. وصدق أو لا تصدق الشخص المنشغل أيضا يمكنه أن يفكر في كل تلك الأفكار. ليس مصدر تلك الأفكار فراغ، بل هو عقل أعتاد أن يفكر هكذا، على نفس ماكرة، وعلى أهواء دوماً تحوم لتشدك إلى أسفل. 

وترددها كثيراً .. ولكنك توقفت عندما أصبحت زومبياً .. "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك".. في كل أنواع الرزق، يظهر أمامك الطريق القصير، والطريق الطويل.. طريق الصبر والحلال، والآخر تتبع الأهواء فالحرام. في كل رزق، في حب، في صداقة، في عمل، في علم، في سعادة، في رضا، في بذل، في طموح، في حلم، في سعي، في تواصل ما، في خير تفعله، في كل رزق! يزين الشيطان دوماً ذلك الطريق الحرام، فيبدو حلالا لوهلة، وعندما تفعله وتصدق نفسك في لحظة يهبها لك خالقك، تدرك حجم الوهم الذي كنت تعيشه.

لا تعلم كيف بداية التغير، ولكن تعلم بشدة أن مقاومتك باتت بالفشل، وأن تلك المعادلة التي وضعتها سابقاً فشلت. وأنك لا تستطيع العيش هكذا، وأن أهوائك تسبقك إليها، يمكنك أن تؤدي دورك الذي تريد أن تؤديه بدون ذلك التمحور حول ذاتك وحول your profile .. يمكنك أن تمنح كل ما تمنحه هناك والذي يصبّر نفسك على كل سوء يأتيك من بقاءك على تلك أدوات التواصل الإجتماعي ..يمكنك ان تمنحه باستخدامك لتلك الأدوات بطرق أخرى، وذلك الوهم الذي يملئ عقلك، بأن بقائك بعيداً سيُفقد الناس وجودك ويفقدك تواصلك بهم هو كما أقوله لك وهم. إن وهم التواصل ذلك الذي يجعل منا ومنهم أناس يملكون أدوات الحكم على الآخرين والتأمل في صورهم وما يكتبونه لنعرف من هم ولم هم ونظن أننا هكذا عرفنا من هم. وعندما نراهم في الواقع نعاملهم بذلك الحكم السابق، فيبدو ذلك الحكم بعد ذلك من أكثر الأحكام ظلماً.  وعندما تفكر بأنه أداة إتصال، يشبه في وظيفته وظيفة الهاتف وتفكر في حجم التحول الذي آل إليه الأمر يشعرك هذا الأمر بأن السلوك الإنساني يعقد دوماً بساطة الأمور.
لا انسي تلك العبارة التي قرأتها في مكان ما :"مؤسسو هذه المواقع يعملون بجد لكي تبقى عليها مدة طويلة".. ونحن ببساطة نستجيب لرغبتهم في زيادة أرباحهم. رغبتهم في بقائك ليس عملا إجرامياً كما ظننت في البداية. ذلك الذي يزين لك منتج ما لا يحاول خداعك، إنه يستميلك إليه، ودوماً أنت من تختار أن تميل إليه أم لا. ومادام هناك اختيار بين يديك فأنت فقط المُلام.
ليس المؤلم معرفتك أنهم يفعلون ما يشدك للبقاء، فكما قلنا ذلك ليس بالفعل المشين ولكن أن تعلم أنك ضعيف لتلك الدرجة فهذه هي المشكلة.

وكما أعتدت كلما تحولت إلى زومبي وبدت حياتك روتينية غبية، أغلقت ذلك الأزرق، ورميت الهاتف بعيداً وأخذت نفساً عميقاً وأفرغت عقلك من هموم الأزرق ومشاكله ومن أحكامك على فلان وفلان. وأمسكت بورقة وقلم، وبدأت مرة أخرى تُعمل عقلك فيبدأ القلب مرة أخرى في ضخ الدماء.


لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
إذ ذهب مُغاضباً .. ربما ذهاب الغضب، والهروب من المسؤولية هو العكس هاهنا.. كنت دوما أرى أن عدم القدرة على التحكم بالأزرق فإغلاقي له هو هروب وغضب. ولكن بعد تأمل، وجود الأزرق يساعد على الهروب والغضب، تذهب مغاضبا من نفسك ومن عيوبك ومن إصلاح ومن صبر .. إلى أزرق تؤوي إليه.. إنه تلك السفينة التي ركبها يونس عليه السلام، إذ ذهب مغاضباً .. نركبه كثيرا في أيامنا، لكي نهرب من مواجهات عدة مع أنفسنا، ومن عمل وبذل وتفكير ومن علم.. يكسبنا عادات سيئة ولكن نصر على البقاء بين جدرانه. أحيانا تكون قويا وتتحكم به، وأحيانا إن أطلت المكوث، ونسيت الذكر، أصبحت السفينة التي ستقودك إلى بطن الحوت، الذي ما أن يبتلعك وترى تلك الظلمة والوحشة وحياة الزومبي تبدأ في تغلل حياتك، يكون حينها ذكر لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، هو فعلا المخرج، هو الإدراك بأنك ظلمت، وبأنك لم تذكره سبحانه كفاية، وأن لا إله إلا الله لم تكون ما يحركك..
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

 
*الأزرق=facebook


Wednesday, July 1, 2015

انفض عنك التراب ..


في معترك الحياة تبدو ملامح الأشياء باهتة. تراكم الأتربة عليها تجعلها مختفية، قليل من العناية وتبدأ في الانكماش في أن تكون باهتة مصفرّة. الحياة بزمنها الدائم وسنواتها التي يقضيها رب العباد تأخذ بأيدينا إلى أن نفقد الشعور بتلك الأشياء. تصبح باهتة مصفرة! 

في بداية أي قصة هناك تشويق لا حدود له. في بداية قصصك تبدو متحمسا للغاية البريق في عينيك لا يختفي، ولكن تمر الأيام.. تمرّ فإما أن تفقد حماسك لصعوبات، أو تفقد إيمانك بقصتك التي صغتها يوماً بأجمل العبارات. تصبح مصفرّة باهتة اللون.. تتراكم عليها التراب وتنساها..

تبدأ قصص أخرى، تبدأ بالحماس وتنتهي بالاصفرار. مشاكل مشاكل مشاجرات يمين وشمال فوق وتحت. أناس يذهبون وآخرون يلجون .. ويبدأ التراب في التراكم على أجمل الأشياء.
تفقد الإحساس، واقعيّ، الحياة تبدو في رتابة مملة. تفقد الإحساس، في العلاقات يختفي الحب، ينكمش دورك، تتقوقع، العلاقات تبدو ثقلاً وهماً. تفقد الإحساس، اليأس حليفك، والأمل ولّى، تبدو الأحلام بلا أي معنى. إنه دورك ليتراكم عليك التراب.

لم تمت بعد، ولكنك في الحقيقة ميت.

ويقفز السؤال تلو الآخر، تعلم من أين تأتي هذه الأتربة ومن أين تبدأ المشاكل، ولكن لا تعلم ما الوسيلة. تتخبط في حلول كثيرة، تشعر بالهون والضعف. البكاء حليف هذه اللحظات.

البكاء ليس حلاً، ولكنك تستمر في البكاء.

الضوء مصدره واحد، الضوء الذي يهرب منه هذا الظلام واحد، ضوء الهداية. إنها اليد التي تُمتد لك، إنه الأمل والمخرج. إنه ما سوف ينفض عنك التراب. عندما تقترف الذنب، وتبدأ في الاصفرار، تتألم وتتألم.. وثم تتألم. الندم والتوبة ولكن شعورك بأنك أذنبت، بأنك خنت العهد، بأن الرقيب يراك ولكنك رغم ذلك لم تهتم، وتقول أنك تحبّه. تبدأ في الاصفرار، نسوا الله فنسيهم.

[يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي] - حديث قدسي
التراب يا صديقي سيتراكم عليك إن لم تنفضه عن نفسك، وأن تعلم أن لك رب يقبلك ويفتح لك بابه رغم ذنوبك ورغم عهودك التي تنقضها باستمرار لأول ما ينفض عنك التراب. إن لك رب ينادي كل ليلة هل من تائب فأتوب عليه، إن كنت صادقا في سعيك، ستُفتح لك الأبواب. فاطرق وداوم المكوث هناك، عند الأبواب.

وهذه فقط البداية، أن تتوب.

وتوبة بلا إصلاح بعدها ليست بتوبة صادقة. بداية الإصلاح تبدأ بأداء الفروض، تفعلها تعبداً لا تفضلاً. تفعلها بإتقان، تراها بعين أخرى، عين المتعبد عين الخاشع، عين من يريد عتقاً وخلاصاً من النار، عين من يريد أن يكون جيداً، عين من يريد أن يصلح نفسه حبا لمن خلقه وأودع الروح فيه. أداء الفروض فعل إيجابي يتبع توبتك، جدد نيتك ولا تكن انهزاميا أمام ذنوبك، افعل الفرض كأنك تفعله لأول مرة.. أنفض ذلك التراب.. وأنتظر فتحاً من الله لا بد بك نازل. 

أستغفر الله العلي العظيم وأتوب إليه.

Thursday, June 25, 2015

عزلة أخرى ..

تتشابه هذه الأيام مع أيام سبقت، تتشابه في تفكيرك فيبدو الأمر وكأنك لم تنضج بعد وأن القدر مازال يغلي. تغلق أدوات التواصل الاجتماعي تستوحش من الناس وتتساءل ما السبب ويبدو السبب واضحاً ..أرهقوك

نفسك مرهقة بذكرهم لك وبذكرك لهم .. كلما بدأت في الجلوس مع نفسك قليلا قفز لك ما قاله هذا وما سوف يقوله ذاك .. تحاول جعل الأمور أبسط مما تعتقد.. وتقول لن أفكر هكذا .. "هينفعوني بإيه؟" وتقنع نفسك بأنك تصدق هذه الكلمة وأنت من داخلك ما زلت تهتم وتصدق بالضد. 

أعمالك في الخفاء قليلة .. بل تبدو معدومة .. تعمل في العلن كثيرا .. وتشارك أفكارك وأعمالك مع الكثير .. لماذا تفعل ذلك .. تستمتع بشكل ما.. ولكن هل فعلت في الخفاء القليل لتُحدث توازنا في هذه النفس؟
تهتم بالمظاهر.. تشتري ذاك الحذاء وتلك الملابس لا لتساعدك على إيصال رسالة الخليفة في الأرض بل لتفكيرك في مظاهر بشكل ما .. 

كل أفكارك الفترة الماضية وإلى الآن يمكن إرجاعها إلى عنوان رئيسي واحد: "تحب نفسك كثيراً وتهتم بالناس كثيراً" .. ليرتبط مع عنوان رئيسي آخر: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".. أنت حقا الآن خارج دائرة الإيمان.. ومتى أصلحت دخلت تلك الدائرة .. 

تحاول أن تجد أسباب ذلك لتصلحها أو تتخلص منها .. تجد أسباب كثيرة .. وتقرر في نهاية المطاف أنك لا بد أن تنعزل لا بد أن يكون عملك في الخفاء أكثر من عمل العلانية .. أو على الأقل أن يكون هناك عمل في الخفاء بجودة عمل العلانية .. على الأقل عمل واحد متقن.

تُكثر في رسم تفاصيل قرارك .. ولكن تعزم في النهاية أنك بمبدأ واحد يمكنك أن تتعامل مع كل ما تواجهه.. وأن هذا المبدأ بوضوحه وبتذكرك له كفيل بأن يغربل كل التفاصيل.

تبدو إنها ليست كعزلة الأيام السابقة رغم أن بوادرها متشابهة مع سابقتيها، ولكن تبدو الأمور أحيانا كما لم نظن، تبدو بشكل آخر، تبدو شبيهة بمفهوم "لعلّه خير".. نرى شيئاً وفي الحقيقة هناك مالا تراه ولا تدركه.

سبحان رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.. 
 

Wednesday, June 10, 2015

يجعل صدره ضيقا حرجا ..

لا أعرف عن ماذا أكتب..ولكن ما أعرفه وحقا موقنة به أني أتوق للكتابة .. عن أي شيء .. أريد أن أكتب حتى يصبح العقل فارغا من كل أفكاره .. تلك الأفكار عندما تُكتب يختلف شكلها تماما .. تبدو شخص آخر بملامح أخرى .. عندما تقرأها .. تتعجب كيف كانت في رأسك..أحيانا تصبح أوضح وأحيانا تصبح أكثر قُبحا مما كنت تتخيل .. أحيانا تصبح بسيطة وكنت تعتقد أنها أعقد من هذا .. الأفكار كثيرة ..وعندما تكتب ..الحمل يصبح خفيفا وربما يزداد ..
أحيانا كثيرة ومنها أوقاتي الحالية أضع عقلي في حالة جمود غريبة .. لا أستطيع التفكير بوضوح بل أتفادى المشاكل وأتفادى التفكير .. وربما إن صعب علي فهم شيء .. أتركه ولا أبذل الجهد لفهمه .. وأي مهمة تستدعي أن أفكر .. أتركها جانبا .. حتى القراءة .. أحيانا أقرأ ولا يعمل عقلي .. الكلمات تمر سريعا .. أفهم ما تريده السطور ولكن لا اجعل لعقلي تعمقا في التفاصيل .. ولا التفكير في ماذا لو .. تلك الcritical reading .. الأخذ والعطاء بينك وبين السطور ..قليل وجدا هذه الأيام .. 
أستيقظ اليوم وأقول الكتابة هي الحل .. لا يجعل عقلي يعملى ويتفكر في التفاصيل سوى الكتابة .. الكتابة عن كل شيء يدور في عقلي .. وماذا يدور في عقلي؟
لا أستطيع فهم ما يدور من أفكار.. أشعر بأني في بحر تائهة لا أجد مخرجا .. أفكر في ماذا أفكر.. أفكر في ماذا يدور في عقلي.. هل هذا فراغ؟ فراغ عقلي؟ لا يوجد ما أفكر فيه.. فأفكر فيما كنت أفكر فيه.. قل أنه التيه ..
أنهي قراءة كتاب فلا أشعر بذلك الإنجاز الذي أشعر به دوما عند إنهاء قراءة كتاب.. أفكر لماذا لا أشعر بذلك الحماس .. ربما لأنها فقط البداية .. أو ربما لأن الكتاب لم يكن بتلك الصعوبة .. وربما لإني في مرحلة من اليأس العام! 
أحاول إقناع نفسي أني متفائلة، متحمسة .. ولكن الحياة تبدو واقعية للغاية .. الأحلام التي أقفز حماسا عندما أتذكرها تبدو في تفاصيلها ليست بذلك البريق .. عندما تحلم بسفر لخارج البلاد لعلم أفضل .. وترى معوقات الطريق التي تُثبت لك أن لا شيء يبدو سهلا كما تظن .. وأن حلمك دوما يحتاج إلى جهد مبذول .. هل الجهد ما يزعجك أم أن حلمك لم يكن بذلك البريق الذي تتغنى به ليل نهار؟ماذا تغير في حلمك؟ أم ماذا تغير فيك؟ تحاول أن تصل إلى تلك اللحظة التي غيرت من تفكيرك حتى أصبحت جادا هكذا حتى أصبحت بهذا القدر من الجمود من قمة كنت فيها تشع أفكارا إلى منحدر تردد فيه ذات الأفكار .. التي رأيتها هنا وهناك.. نحن نتكرر .. 
ذلك العمر الذي يمضي.. ولا يحدث فيه تجربة جديدة هو عمر في نظري ضائع .. سواء على مستوى روحي أو عملي .. أحاول أن أعود إلى تلك الفتاة التي تتوقد حماسا .. يا أصدقاء أين ذهب ذلك الحماس؟
يالها من بيئة محيطة تقتل فيك كل شيء جميل!هؤلاء المحبطون تمتلئ الحياة بهم وهؤلاء الظالمون المتسلطون الذين يسحبون من جهدك ووقتك الكثير .. كثيرون..
تلك البيئة التي كلما نفضت عن نفسك التراب، وقمت بقوة .. سحبتك معها في منحدراتها التي لا تزيدك خدوشا وآلاما .. تحاول أن تكون كما كنت .. ولكن البيئة تتغير للأسوأ والظلم في كل مكان .. ونحن صامتون .. 
أتذكر الآن الكواكبي في جملته ألهمتني في كتابه العبقري طبائع الاستبداد:
"أسير الاستبداد العريق فيه يرث شر الخصال ويتربى على أشرها ولا بد أن يصحبه بعضها مدى العمر بناء عليه ما أبعده عن خصال الكمال ويكفيه مفسدة لكل الخصال الحسنة الطبيعية الشرعية والاعتيادية تلبّسه بالرياء اضطرارا حتى يألفه ويصير ملكة فيه فيفقد بسببه ثقة نفسه بنفسه لأنه لا يجد خلقا مستقرا فيه فلا يمكنه مثلا أن يجزم بأمانته أو يضمن ثباته على أمر من الأمور فيعيش سيء الظن في حق ذاته مترددا في أعماله لواما نفسه على إهماله شؤونه شاعرا بفتور همته ونقص مروءته ويبقى طول عمره جاهلا مورد هذا الخلل فيتهم الخالق والخالق جل شأنه لم ينقصه شيئا ويتهم تارة دينه وتارة تربيته وتارة زمانه وتارة قومه والحقيقة بعيدة عن كل ذلك وما الحقيقة غير أنه خُلق حرا فاًُسر"
أن تُستعبد بأي شكل من الأشكال شيء كفيل لأن يجعلك تنزعج وللغاية .. لماذا يتسلط علي بشري مثلي؟ لماذا يتسلّط .. والتسلط معناها ظلم ولا عدل ..ومن منا لا يرجو إماما صالحا! 
هل هذا سبب تلك الهمة الباردة .. هناك إنجاز ولكن تفقد للشعور بالسعادة بهذا الإنجاز! لماذا لا تشعر بالسعادة .. هل لأن ذلك المجتمع كئيب .. هل لإن إنجازك لا يحسن الوضع حالياً؟ لا اعتقد أن هذا فقط هو السبب في ذلك عدم السعادة وإن كنت لا انكر انه جزء كبير من الشعور بالحزن ..
لماذا لا تشعر بالإنجاز رغم أنك بذلت الوقت والجهد لتصل إلى تلك اللحظة بأنك أنهيت كتابا.. تعلمت منه الكثير ونظم لك أفكارا وعرفك على أخرى كنت تجهلها .. لماذا لا تشكر الله على هذه النعمة ولماذا عندما تشكر لا تشعر بحجم هذه النعمة! ما الخلل؟
تريد أن تبكي .. نعم تريد أن تبكي الآن .. فالأمر يبدو شديد الصلة بعلاقتك برب العالمين .. وعندما تتذكر رب العباد .. وتتذكر تلك اللحظات التي رأيت فيها أطفال قطة في ضعف وحاجة ماسة لوالدتهم في لاحول ولاقوة .. ضعفاء .. من سخر لهم تلك الام التي تحميهم .. من سخر لهم تلك الأم التي ترضعهم .. وتتولى رعايتهم .. تتذكر مباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقفه عندما رأى تلك اﻷم تلتقط طفلها وترضعه : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟" فيرد الصحب :"لا والله ! وهى تقدر على أن لا تطرحه" فيقودنا رسول الله إلى تلك العبارة التي تجعل الدموع تجتمع عند مقلتيك :" لله أرحم بعباده من هذه بولدها" .. يا الله! من أودع تلك الرحمة في قلوب الأمهات .. من الإنسان إلى الحيوان .. تلك الرحمة التي هي جزء من رحمته سبحانه .. كلما تذكرت ذلك الموقف ..كلما شعرت بمدى ضعفك .. بانك لاشيء ..كلما تذكرت رحمة الله والواسعة .. بأن ذلك الشعور التي تشعره عند رؤية هؤلاء الصغار  هي جزء أودعه الله فيك من رحمته سُبحانه.. هذا العالم موحش بدون تلك الحقيقة .. هذا العالم موحش عندما ننسى ذلك .. أنه سبحانه أرحم بنا من أمهاتنا ..
هندما تتذكر تلك اللقطات التي كانت تتحدث عن الشمس، وعن الفضاء الواسع.. تشعر بصغر حجمك..تضيق عليك نفسك .. تتذكر :" فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ" 
تشعر أحيانا بذلك الضيق، عندما تهوى هواك .. وتحب الاستماع إليه .. تبقى صامتا.. ذلك الضيق لا يأتي إلا عندما تتبع هواك وتتبع خطوات الشيطان .. فتنسى وتنسى وتنسى .. ألا تخاف :"نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ".. هي كذلك .. أنت منسيّ الآن .. ما تتخبط فيه من صُنع يديك ..

يا الله .. 
وأنت من هو أرحم بنا من أمهاتنا .. أعفو عنا وارحمنا وسامحنا يا الله .. 
تشتاق حقاً، تشتاق أن تكون بي يدي الله، كيف تشعر بهذا القرب ولا تعمل؟هناك شيء غير صحيح يحدث في هذا العقل.. تلك الرغبة ليست كافية .. فالأمر واضح : "فقل اعملوا" .. لماذا التكاسل؟لماذا الرغبة دوما إلى الراحة؟ ألم تتعلم الدرس؟ ألا تخشى أن يقودك هذا إلى حرمان! 
هذا الفراغ الذي تشعر به، هذا الفراغ واللامعنى في أعمالك، في جهدك الذي تبذله ولا تشعر بالسعادة تجاهه .. تلك الهمة المنزعجة .. وتلك الطاقة المفتتة .. ذلك الخوف والركون .. هل ترى السبب؟ الآن يبدو واضحا للغاية.. أنت لا تعبد كفاية، أنت بعيد .. بعيد يا صديقي ومهما فعلت لن تشعر بذلك الرضا والسعادة التي يهبها الله .. تلك البركة، تلك الابتسامة والرضا الداخلي .. ذلك أن تفكر بالموت بأنه ما يفصلك عن لقاء الأحبة وليس بأنه تلك النهاية التي تُصبغ روحك بالكآبة وأن كل شيء زائل، نعم هو كذلك كل شيء سيُفنى .. ولكن ستجازى على عملك، على نواياك ، على كلامك على كل ما فعلته في هذه الحياة .. إن الموت لايجب أن يكون كئيباً .. لم يبكي السلف سوى قلّة الزاد، والخوف من المعاد ولا أستطيع تخيل أنهم كانوا يبكيهم الفناء والزوال .. هل تشعر بالفرق بين أن تكون متألما لفراق والأخرى من أن تكون متألما من عملك القليل؟ الفرق شاسع .. ربما هو فرق رهيب .. فرق بين تلك الشعور الذي يجتاحك عند تذكر الموت .. موتك .. الفناء الزوال.. حقاً؟ تهتم بالدنيا كثيراً .. تهتم لدرجة أنك تفكر في فناءك ..أم أنك تحب نفسك كثيراً.. فترهبك فكرة زوالك! ربما هناك أفكار يجب أن يتم أستئصال جذورها من العقل.. كل شيء يحاول تضخيم تلك الفكرة .. فكرة زوالك وفنائك .. مع أن الأمر غير ذلك .. يجب أن يضخم إحساسك بقلة الزاد .. بأنك لا تعمل العمل الكافي .. بأن الموت سيوقف عملك.. وأنت لم تفعل ما يستحق حقاً؟ هل يتطلب الأمر الكثير من التفكير لتصل إلى هذه النهاية؟ إنها الغفلة، إنها أن تبقى لا تعلم ماذا يدور في عقلك وتعيش فقط لتستمتع .. إنها أن تتجاهل الإنذارات المتتالية .. بأنك تبتعد عن الطريق.. هروبك من التفكير، من الكتابة ، من أن تناقش أفكار لاتعلم متى تُبنى في عقلك ولا تعلم متى تنشئ .. المدخلات التي يستقبلها عقلك كثيرة، وبعضها مع غفلة يجد مستقراً .. إن لم يتابع هذا العقل .. سيبدأ في أن يتبنى أفكار مريبة ومخيفة .. تنغص على الإنسان حياته في الدنيا والآخرة .. فيتخبط في دنياه، ويُحرم في آخرته ..
يُحرم أشد حرمان .. 
"كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ"

Friday, May 22, 2015

مرة أخرى ..

وها أنت تستيقظ مرة أخرى .. يوم آخر.
ها أنت تُرد إليك الروح ليتحرك جسدك مرة أخرى، مرة أخرى تفتح عينيك تحرك يديك .. قدميك .. تتثاءب .. تفرك عينيك .. ها أنت تستيقظ مرة أخرى ..
ينتابك شعور جارف للبكاء .. تريد أن تبكي كما لم تبكي سابقا .. تريد أن تنتحب .. أن تقف على اعتاب الكعبة .. أن تسجد في مسجد رسول الله .. أن تبكي وتنتحب على ما أقترفته يداك ..وعلى كل ما كان..
تريد أن تبكي إشتياقاً .. كم تشتاق إلى قُرب من الله.. إلى رسول الله .. وإلى الصحب .. تريد أن تكون معهم ..وكيف ستكون معهم وأنت على هذا الحال؟
تريد أن تبكي .. وليت البكاء يصنع شيئا .. ليته يبقى أثره طويلا ..
يارب .. اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك..
يردد اللسان هذا الدعاء .. وعند كلمة خشيتك.. تصرخ جوارحك كلها بها .. يارب وخوف إيجابي .. يارب وخشية إيجابية .. لا بكاء الدقائق .. ومعاصي الساعات .. يا الله! 
خشية يارب .. وليس ذلك المتمرد الذي يدور بداخلي ويمسك زمام الأمور أحيانا .. ليس ذلك الواثق بنفسه.. الذي يظنّ أن ليس لقدرته حدود .. ويا الله .. لا تجعل لذلك المتمرد والواثق نصرة ..ولاتجعل لهما فلاحا .. يارب وخشية .. تعلمهما الدرس .. وتصلح بها حالهما .. 
يارب..
يارب خشية.. تأخذ بأيدينا إليك .. تبعدنا عن السوء .. عن المعاصي .. عن الكبر وعن الغرور .. عن الرياء .. عن الإهتمام بأراء الناس .. عن الركون إليهم .. عن خشية الناس .. عن يارب .. كل سوء ..
يارب خشية .. تبعدنا عن سوء الأخلاق .. عن الإحباط وعن الهمم المنخفضة .. خشية تُبعدنا عن كل يأس وكل حزن بماضي وهم بمستقبل .. يارب خشية تجعلنا نعمل .. نعمل في سبيلك يالله ..
يارب ..
يارب خشية .. تحركنا من خمولنا وكسلنا .. توقظ الهمم .. توقظنا من السبات العميق الذي أحببناه..يارب..
 **
تتثائب .. عيناك تقاومان مرحلة الإغلاق الحتمية .. إنه النوم مرة أخرى..
إنه النوم بعد إستيقاظ .. إنها السيمفونية التي ستنتهي يوما ما ..
بعد كل نوم إستيقاظ .. وبعد كل إستيقاظ نوم .. ولكن ..
حين الموعد .. حين إنقضاء الأجل .. 
سيكون في نظر الحياة الدنيا نوم بلا استيقاظ ..
وفي نظر الحياة الآخرة إستيقاظ بلا نوم ..
وأنت .. حين يأتيك الأجل .. 
ستنام .. وستوقظك الملائكة ..
إلى إستيقاظ لا نهاية له .. وإدراك يفوق تصورك .. 
سترى الحقّ .. وستعاين الغيب حاضراً ..
ألك أن تتخيل هذا؟
تتثائب .. عيناك ثقيلتان .. 
لا تستطيع مقاومة ذلك النوم .. 
أغلق عينيك .. نم الآن ..
ولكن هناك يوم .. ربما هو الآن .. 
لن يكون هناك مرة أخرى ..

Saturday, April 11, 2015

كيمياء الصلاة - الجزء الأول | مراجعة

يغربلك العمري ..حتى تصبح فتاتا منفصلاً ..
تجد نفسك تائها مع السطور ..تحاول أن تخرج منها بفعل بعمل بحل لتحسن ..
تحاول أن تخرج منها بخطة ..بخطّة تلتزم بها ..لتقيم الصلاة حقاً ..
سيرهقك حتما أن يدخل إنسان إلى أغوارك ويستخرج كل ما ترسب في عقلك ووجدانك.. أن يضعك في مواجهة حتمية لكل الأفكار الباهتة والراكدة والتي مازلت تحافظ على أجزاء منها .. 
قرأت هذا الكتاب سابقاً .. أنار جزء .. أقرأه مرّة أخرى وأبحث عن ماذا فعلت منذ قراءتي الأولى له إلى هذه القراء الثانية .. 
كل ما أستطيع قوله .. أني أصبحت أشعر بالكلمات أكثر .. لأنك حينما تقع .. تحارب الحياة وتحارب في الحياة لتفهم لماذا أنت ولماذا هذه الحياة .. سعيك .. كسلك .. إحباطك .. غضبك .. نقاشاتك الحادة والغير حادة .. كل ما مررت به..
تلك الصفحات بعد تجارب مررت بها تبدو واضحة أكثر تبدو أكثر عمقاً وأكثر ثباتا في العقل .. وأتمنى أن تنعكس على السلوك وعلى العمل.. هل "أتمنى" هنا جائزة أم يجب أن تكون "لابد"؟
أحاول الفهم.. وربط الصفحات .. بما مررت به ..بما يجب أن يكون عليه الأمر..

بداية الكتاب عن الأسباب الشائعة التي تجعلنا نصلي وعن طموحتنا التي تقلصت وأصبحت بحجم الذرة وخلقنا للأعذار التي تقنن سباتنا وكسلنا وإنهزامنا...يليه بحث في الشعائر والطقوس وكيف أن عقول الكائنات الحية مهيئة للطقوس بل تبحث وتخلقها لتستطيع العيش وكيف أن الإنسان يمكنه أن يربط تلك الطقوس والشعائر بإيمانه بالغيب ليجعلها شعائر تغيره وتغير حياته .. ويلي ذلك أجمل ما في الكتاب معنى الصلاة لغويا وانعكاسات على هذه المعاني اللغوية ..

وسأسجل ما أحببته في المعاني اللغوية للصلاة لأتذكرها بين الحين والآخر ..
فهل تعرف معنى الصلاة لغويا؟ لماذا أُطلق على تلك الحركات المعينة والذكر الذي تحتويه بـ"الصلاة" ..ما معنى تلك الحروف مجتمعة الصاد واللام والألف والتاء المربوطة؟
ما أجمل ما نضحت به هذه الصفحات من معاني .. 
(1) المعنى الأول: الدعاء وخصيصا الدعاء بالخير
معنى الصلاة هو الدعاء .. والدعاء بالخير لا لشيء آخر .. 
يأخذك العمري لحقيقة .. أن الصلاة تنحاز بكل ثقلها إلى جانب الخير ..كل ما فيها بكل ماهي لأجله .. هي من أجل ذلك الجانب .. الخير..
ويحتم عليّ أن آتي لك بكلمات العمري الواضحة في هذا المعنى للصلاة:
"والدعاء في جوهره هو أكبر وأعمق أن يكون عندك طلب ما منه عزّ وجل..
الدعاء في جوهره هو أن عندك قضية لديك دعوة ما .. لديك هدف .. لديك ما يملأ عليك حياتك لدرجة أنك تطلب منه عز وجل أن يعنيك فيها ..
وهي ليست أي قضية.. إنها ليست قضية فحسب ..
بل هي قضية خير حصراً ..
إنها الانحياز إلى جانب محدد في الصراع الدائر في هذا العالم..بل إن الأمر حتى أكبر من ذلك..
إنه أن تكون أنت حامل هذه الدعوة..حامل هذه القضية..أنت المنادي بها ..
وهي قضية خير دائم..لا إنفكاك عن الخير فيها..
تعبر عنها خلال الصلاة .."

(2) المعنى الثاني: اللزوم
اللزوم من ماني الصلاة .. اللزوم الذي لا ينفك عن الدوام والاستمرار والبقاء .. معنى الصلاة أنها تلزمك دوما..
وانظر إلى هذه الجملة :"اللزوم أن تلزمك دوما..تصير جزء منك..كما أن تكون جزءا منها..كما لو أنك عبر هذا اللزوم تتناهى معها لتكون مكانا جديداً "
ينعكس معنى أن الصلاة تلزمك.. بأن ما تدعو به في الصلاة .. تلتزم به خارج الصلاة .. أن دعائك للقضية .. يلزمك خارج الصلاة ..فتدعو بالعمل لأجل هذه القضية .. لا انفصال بين ما تدعو له وما تعمل في الحقيقة لتصل إليه .. يا الله!

(3)المعنى الثالث: النضوج المضيء
الأجمل والأعمق .. هل مررت سابقا بهذه الآية :"ويصلى سعيرا" أو "فسوف نصليه ناراُ" ..
معنى صلَي هنا بمعنى الإحتراق بوجهين: التسوية والآخر بمعنى الفساد والإحراق .. 
نعم تخيّل أن الصلاة بهذا المعنى .. أنها كما صلى اللحم بمعنى سوّاه .. تصليك لتسويك ..وما بعد التسوية ياصديق سوى النضج؟
"لا تكون رحلة النضوج هذه سهلة أبدا..بل إنها تشبه أحيانا إحتراقا داخليا ..ألم عظيم ومشقة ليست أقل من ألم ومشقة ومعاناة الولادة وليست أقل قداسة في الوقت نفسه فتغيير الذات مخاض عسير وصامت والصراخ معه لايجدي كما قد يفعل مع آلام المخاض الاعتيادي. بل هو يحتاج إلى صبر دؤوب وإصطبار حقيقي ومتابعة لهذا الصبر وذلك الإصطبار وينتج عن ذلك كله معاناة حقيقية هي في جوهرها إحتراق حقيقي وصولا إلى النضوج إلى التغيير .."

(4) المعنى الرابع: مايحيط بعظم العصعص
هذه العظمة التي يرتكز عليها عمودك الفقري .. لم تكن الصلاة ركنا ..إلا لأنها بالفعل مايرتكز عليها حياتك كلها .. لذلك ستُسأل يوم القيامة أو ما تُسأل .. عن صلاتك..

(5) المعنى الخامس: من مشتقات صلى: الصليّان:نبتة قوية الجذور 
ويكفي في هذا المعنى أن تتأمل كيف يمكن للصلاة أن تجعلك قوياً ذو جذور قوية .. أصل ثابت وفرع في السماء :
"يمكن للصلاة أن تجعلنا أقوياء..بجذور صلبة بأصل ثابت وفرع في السماء، فرع لا تقتلعه الرياح وإن هزته يمكن للصلاة أن تجعلنا هكذا .. بالأصل الثابت والفرع المثمر الثابت .."

يلي تلك الصفحات .. ربط تلك المعاني بأوائل سورة المؤمنون .. لتصل إلى صورة متكاملة لصلاة توقظ فيك دور الخليفة في الأرض .. الذي يصلح ويأمر بالإصلاح .. وينتهي به الأمر إلى جنة الفردوس ..
يمكنك أن تكتب كثيرا عن المعاني التي ناقشها الكتاب .. يمكنك أن تتوقف مع صفحات لأيام .. تتأمل وترى وتعكس تلك الكلمات على حياتك ..
ولكن مالم أجده في الكتاب .. ذلك الربط بين دوري كمصلح وخليفة في الأرض .. وبين عبوديتي لرب العالمين .. لعلّ الكتاب يركزّ كل إهتمامه على إيقاظ الهمم .. على محاربة ذلك الكسل والخمول والسلبية التي تشبعنا بها .. على سقف طموحتنا المنخفض .. ولكن لماذا ننهض؟ لماذا كل هذا العناء؟ 
أعتذر.. ولكنه تساؤل قفز.. إنه حتما لأجل ذلك الجزاء الأخروي..ولكن لماذا هناك عمل وجزاء؟
باختصار ..لماذا لم يشير الكتاب إلى محض العبودية .. أن بكونك خليفة هو أن تحقيقا لعبوديتك المحضة لله سبحانه وتعالى .. أن كون أن تتغير وتدخل هذه الملحمة من التغيير .. تحقق عبوديتك وتعظيمك وطاعتك لله سبحانه وتعالى الذي خلقك وأوجدك من العدم .. 
أعتقد هذا ما افتقدته في هذا الكتاب .. أن يصلني بأصل الأمر كلّه .. بأصل وجودي الذي هو عبودية يجب أن تكون .. وأن المعاصي صغيرها وكبيرها .. تشق تلك العبودية .. وتجعل من الإنسان متبعا لخطوات الشيطان ..
العبودية .. الشعور بأن كل هذا التعب وكل هذا العناء .. لتعظيم وتقديس ربّ العباد ..الذي لاينتظر منك عبادة .. ولكن أنت من تشكره سبحانه على أن جعل لك حياة تستطيع فيها أن تذكره وتتعبده وتبذل لتصل إليه سبحانه .. أعطاك ذلك الشرف بأن تكون له عبدا .. بأن تعرفه ..
أرى هذا المعنى يجب أن يُثار أيضا .. أن كل ما تفعله .. وأن لماذا تغير طريقة تفكيرك وارتباطك بالصلاة يجب أن ترتبط بشكل أو بآخر بكونك تشكر الله على نعمته بخلقك وإيجادك من العدم ..
هذا ما افتقدته وتمنيت لو ألحق بعض جزيئات الكتاب به .. ولكنّه يثير يثير العقل ويحتجّ على مفاهيم ورثناها ومعاني باهتة بحق ..معاني باهتة للصلاة ما زلنا نصر عليها ..
وستظل كتب العمري .. تغربلني .. تبكيني .. وتوقظني حتى التخمة ..

Sunday, March 29, 2015

غضب ..

يقول لي :"لأ أنا عاوز 10 جنيه .." .. أمتعض ويركبني شبح العناد والغضب :"وأنا مش هدفع أكتر من 7 جنيه" .. يرد :"يعني انت كده بتلوي دراعي..انا مش هاخد غير حقي" .. أقول له:"هوا ده حقك" ..يقول لي:"خلاص ماتدفعيش..انا مش هاخد غير حقي"..أضع السبع جنيهات على المقعد الأمامي وأغادر .. بعد أن اسمعه يقول لي :"تصدقي أنا غلطان إني ركبتك!" .. أقول له وأنا أنظر إليه :"شكراً .." وأمضي.. عندما أحاول أن أفهم لماذا فعلت هكذا .. وأنا عادتي الإستسلام والطيبة الدائمة.. لماذا في هذه اللحظة شعرت بالغضب ..وأن لن أفعل سوى الحق..لماذا بغضت جدا أسلوب إنهم يستغلون تلك الطيبة ويستغلون ذلك أشد استغلال .. في لحظتها تمنيت لو العالم كله ينتهي ..لو أن بلدي هذه تُفنى .. أن نُمحى جميعاً .. فكرت .. لو أن هذا الرجل أراد ما لم أعطه إياه .. سيفعل وسيأخذه .. ولك أن تنتظر العدل في بلادي .. فلن تجد عدلا ..لن تجد سوى الهمجية والغوغاء .. لن تجد سوى المظلومون والظالمون والصامتون .. ومن يتكلم ويريد حقّه أو يدافع عن حق .. يتحول سريعا إلى خانة المظلومين!
أتنهد .. ماذا يحدث لي.. أتحول إلى كائن لا أعرف من هو.. ذلك الغضب ..ذلك الشعور المميت بانك تريد أن تسافر ..تهاجر بعيداً عن كل ما ألفته .. تريد مكان بعيد عن البشر .. هؤلاء البشر .. هؤلاء البشر من أفسدوا فطرتهم ..ويحاولوا إفساد ما حولهم .. فتجد نفسك في مجتمع متسخ ..متسخ حد التخمة!
لا تنفك تفكر في الآثار السلبية ..لاتجد سواها أمامك .. أم أن هذه النظارة السوداء التي لا ترى سوى السلبية هي الظاهرة .. أتابع ما يحدث في اليمن ..فأمتعض ..وأغضب .. أرى حكماء العرب ..فأصاب بالغثيان! .. وأتذكر .. فساد البلاد من فساد العباد .. وأنا من العباد..
إلى متى الصمت .. الصمت المميت القاتل .. إلى متى الخضوع ولماذا؟ إلى متى يكون التكلم فقط كتابة؟ متى يكون عملاً .. عملا يُصدق القول؟
غاضب الآن .. غاضب وحانق على كل مظهر سلبي في بلادك .. غاضب على من يأخذ حق زيادة على حقه ..وعلى من يتنازل عن حقّه .. ويخاف وينزوي.. غاضب على كل شيء ومن كل شيء! 
تحاول أن تهدأ .. تقرأ كتابا .. تضعه جانبا .. بماذا أفادتني الكتب! تقول لا .. هذا تفكير خاطئ .. هذا اليأس يجب أن لا يملأ قلبي ..ليس الآن.. أفتح كتابا آخر .. وأقرأ ..و أنتقد جملة بشدّة .. وأسأل لماذا كتب هذا وكيف يربط هذا بتلك.. أضعه جانبا .. في الحقيقة .. أنا بالفعل غاضبة! 
أحاول أن أفتح ورقة بحثية لمذاكرة .. أفتحها .. أمتعض .. أنظر إليها ولعلها تنظر هي الأخرى إلي وتشاركني شعور "ليس الآن".. أغلق .. أفتح صفحة بيضاء وأكتب.. 
صفحة بيضاء .. ولكن هذا القلب ليس أبيض.. 
هذا القلب الأسود الحانق الغاضب .. من أين أتى؟ 
لماذا أريد أن أصطدم بكل شيء .. وأريد أن أثور على كل شيء!
هل هذا نتيجة ذلك الصمت.. عدم البوح والكتمان!
ذلك الانفجار الذي يلي دوما سلسلة من عدم البوح!
أم هو عدم الرضا والقنوع! كبر وغرور؟ 
ماذا حقا لا أفهم!
أريد أن أسافر حقا .. مكان آخر.. مكان آخر فيه أحياء .. 
فيه أناس يريدوا الخير والإحسان.. وهل هؤلاء في هذه الحياة؟
أصحاب الهمم العالية ..
سابقا .. كنت أخبر نفسي مقولة غاندي الشهيرة : كن أنت التغير الذي تريده في هذا العالم..
كنت أقنع نفسي .. أن طلب التغير من ممن هم حولك أصعب من تغير نفسك! 
وتغيير النفس ..لا من اجل من حولك ..لا من أجل العالم .. 
إنه من أجل يقينا .. من أجل رفقة وصحبة في عالم آخر ..
عالم آخر .. كم أتمنى الإنتقال له .. 
ولكن .. هل إذا إنتقلت .. سأكون برفقتهم! 
وهل فعلت جزء مما فعلوا؟ 
أصحاب الهمم العالية.. 
**
كتاب اسمه بحر الدموع لابن الجوزي .. أثره مميت عليّ .. أصابني بالإحباط باليأس من نفسي ومن عملي .. أصابني بحزن شديد .. أبعدني أكثر .. كنت أظنّه سيرقق القلب ولكن أثره مختلف! 
لماذا كلما تذكرته .. شعرت بالهمة المنخفضة .. شعرت بمدى تعاستي .. بمدى أن الحياة يجب ان تنتهي الآن .. كيف يمكن لموعظة أن تجعلك لا تريد العمل .. سبحان الله!
أن تشعر أنك سيء رغم كل ما تحاول ما تفعله .. أن كل ما تفعله لا يذكر .. هل هذا حقاً هو المطلوب! هل هذا المطلوب ان تشعر به .. أن الحياة يجب أن لا تكون حياة! لماذا يختلط دوماً علينا أمر أن من يطلب الآخرة يجب أن يكون هائماً باكيا ليلا ونهارا .. هذه الأمور لا تساعدني .. هذه الطريقة في الموعظة لا أحبذها أبداً .. أتذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنها عندما قال لأحد الشباب الذين يأخذون الدين ذريعة لكي لا يعمل : "لا تمت علينا ديننا أماتك الله" .. وحينها يتبعها د.العمري بكلماته : النسك ليس أن تتماوت! 
الدين .. الإيمان .. لا يدعونا أبدا إلى نبذ الحياة .. والعيش في كهف وعزلة والبكاء ليلا ونهاراً .. كيف تأتي السكينة قلوبنا وهناك بشر يُقتّل ليلا ونهارا بأيدي ظلمة .. أليس ديننا من أجل حياة أفضل؟
أليس شريعتنا للحفاظ على عرض ودماء المسلمين؟ على بذل السلام للعالم! 
لا أحب تلك الطريقة في الوعظ .. في الدعوة للآخرة .. لا توقظ القلب .. بل تميته في نظري.. تجعلك عاجزا .. لا تريد فعل أي شيء .. سوى رؤية أسوأ مافيك ..والبكاء عليه..
أليست التوبة تمحو ما قبلها من الذنوب.. تدعو لك ببداية جديدة كل مرة ..بروح مشرقة .. يا رب سأصلح ما استطعت ..فلا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت!
أبداً لن تتكبر .. بعبادتك وإصلاحك .. إن رأيت في نفسك ذلك العبد الصالح .. تذكرت مقولة ابن القيم : "إنما يتصرف بحكم العبودية .. لا بحكم اختياره لنفسه" .. أنت عبد للملك الجبار..
وأرى الآن أن هذا الكتاب كان من أسباب غضب .. غضب على نفس وجزع ويأس من تغييرها .. لعل الكتاب إن قُرأ من شخص آخر في وقت آخر .. كان أثره مختلفاً .. سبحانك اللهم..
**
إيمانك بما تفعله ..بأن شيء صغير للغاية يمكنه أن تضيفه فيغير هذا العالم إلى الأفضل ..
أن ما تفعله بصغر حجمه يعظم جدا إن ربطته بنية عظيمة .. نية تقربك إلى آلهك وخالقك ..
أن تحسن لا لأن يراك الناس محسنا.. بل ليراك رب العالمين ..محسنا .. 
إيمانك بالبدايات وأنها يجب أن تُأخذ بقوة رغم إنها بدايات ليس لها أثرها العظيم.. إيمانك بأن هذه البدايات بدايات إلى نهايات .. نهايات تنتظرها .. نهايات ترفعك .. تصلك إلى خالق الكون.. 
**
أيتها الروح البائسة .. اليائسة .. الحزينة .. المحبطة .. المهمومة .. 
تذكري دوما أن لك ربّا يرحم ..ويرحم ..ويرحم .. إلى ما يشاء سبحانه..
تذكري دوما .. انه خلقك ليرحمك ..خلقك ليكرمك وينعمك .. 
وأي من يشير إلى غير ذلك فهو جاحد حتى النخاع لكل ما حوله من النعم ..
سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك..
**

"إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة، ولا يلقيه منبوذا حائرا في التيه! ولا يدعه مطرودا خائفا من المآب.. إنه يطمعه في المغفرة، ويدله على الطريق، ويأخذ بيده المرتعشة، ويسند خطوته المتعثرة، وينير له الطريق، ليفيء إلى الحمى الآمن، ويثوب إلى الكنف الأمين.
شيء واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه، وتظلم روحه، فينسى الله.. وما دام يذكر الله، ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي. ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي. ما دام في قلبه ذلك الندى البليل.. فسيطلع النور في روحه من جديد، وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد، وستنبت البذرة الهامدة من جديد.
—  في ظلال القرآن, من سورة آل عمران
سيد قطب

 **
د.سلمان العودة - مع الله

Saturday, March 14, 2015

وعن الماضي .. وتحديدا عن ماضيك

تعجز عن مفارقة الماضي .. فلا تنفك تفكر فيه.. كل "الآن" تتحول إلى "ماذا حدث قبل الآن" .. تفكر في كل التفاصيل .. وتبقى عالقا في شباك أخطائك .. التي لا ترى سوى أثرها السيء ..ولاتفكر في أن تبدل ذلك الأثر ..
ماذا يحدث .. تدخل في دوامة .. "لو" .. التي أشار لنا رسول الأمة محمد صلى الله عليه وسلم .. بأنها تفتح عمل الشيطان!
وأي عمل هذا الذي يقعدك ساهما .. حائرا .. تبكي ليلك ونهارك .. تستمع لأغاني الثورة وتبكي .. تنعي أيام .. وأيام ..
تبكي الماضي وماحدث فيه .. وتبكي تلك الأوقات التي ضاعت .. وتبكي تلك الاعين التي تحلّق بك .. "بقالك كام سنة متخرجة!"
تتذكر أن كل هذا لا معنى له.. لماذا تهتم بما يراه الناس .. تسلم نفسك لثقتك بنفسك .. وأنك تعلمت من تلك السنوات..
وعندما تنظر لبعض إنجازاتك في تلك السنوات .. تسقط محبطاً.. إنك لم تنجز شيئاً في سبيل الحلم الذي تكرّس حياتك من أجله..
أنجزت الأقل من 20 بالمائة .. أكثر من هذا لابد! .. تقول لنفسك هكذا .. وتنسى .. تنسى تلك الإنجازات الأخرى .. التي هي أكبر مماتتخيل! 
تنسى أنجازاتك في مواجهة نفسك بالحقيقة .. بتغيير عادات سيئة .. بل أفكار سيئة .. تنسى علاقتك التي تحسنّت مع خالقك بفضله وكرمه .. وعلاقتك بعائلتك .. وبأصدقائك.. وبكل من حولك.. 
تنسى إختفاء الأفكار الشريرة من عقلك .. تنسى ماكنت عليه وما أصبحت عليه.. 
ربما إنجازات الأيام السابقة لم تكن تلك الإنجازات العلميّة التي أطمح إليها .. ولا تلك الإنجازات الإجتماعية التي لا أطمح إليها ..
ربما هي إنجازات صغيرة .. قلب يدقّ .. وعيّ بالنفس.. وحرب على هوى..ولكنّها تزن الكثير ..
وأي كان..
تلك الإنجازات لا تغيّر من واقع أن هناك خللا في العمل والإنتاج على المستوى العلمي والوظيفي..لا تغير من حقيقة أنك أخفقت سابقاً وأنك أضعت الكثير من الوقت سابقاً أيضاً ..
ولكن .. أن تدندن بـ"لو".. وأن ترى الماضي بعين الإحباط .. فذلك حقاً لايغير من شيء..
ربما تذكرك لبعض إنجازاتك الصغير يبعدك قليلا عن قتامة الموقف .. ولكن هذا لا يقودك إلى إصلاح..
تذكرك للإنجازات الصغيرة ربما يكون دافعا لتعود لك ثقتك بنفسك وأن هناك نور ما.. ولكن من قال أن إنجازاتك الصغيرة هي ماتجب أن تكون ماتعيد لك الثقة بالنفس؟
في لحظات إستسلامك .. في لحظات البكاء..لاتفكر في الإنجازات .. ولاتأتي على بالك ..كل ماتراه هو فشلك الحقيقي..
كل ماتراه هو إخفاق .. عجز وكسل..روح مشرقة ذهبت وحل بدل منها روح محبطة قاتمة .. خطاها متثاقلة .. تمشي ببطء .. تتحسس الطريق بضوء خافت .. تفتح نصف عينيها.. تلتفت كثيرا ..وتتعثر كثيراً ..
لا في لحظات الضعف .. لا تتذكر أنك أصبحت ذو قليل من الثقافة العامة ..ولا تتذكر علاقاتك مع من حولك .. وترى أن هدفك في الحياة يخبو ويضيع .. وأن كل مافعلته لم يكن شيئاً ..وأنك مازلت تخفق .. وتفعل مالاقيمة له..
بل ربما تلك اللحظات .. تبعدك عن خالقك .. تقف مبهوتاً لاتعرف ماتقول ..لم تفعل شيئاً في خدمة ماخُلقت من أجله .. ترى القليل ..وتبكي..أجنة أسأل والعجز والكسل والخمول يملأ أيامي؟
تقف.. تقول لا ..كل الماضي شيء وأنا الآن شيء آخر .. تجلس مرة أخرى بل تخر على ركبتيك .. قلتها المئات من المرات ..وماذا حدث؟
لم أتغير.
لم أفعل ما يجب أن يُفعل.. هذا الذي يحدث غريب!
أتذكر شهوراً مرّت .. وبقى بعض أشهر لتكمل سنة .. لم أفعل فيها شيئاً سوى إمتحاناً دخلته اربع مرات ..وبحث أركنه الآن جانباً ..والنتيجة فشل بشكل جزئي.. سنة أخرى تضيع!
سنة .. في ماذا أريد..
وسنة أفعل ما أريد..
وسنة أتوقف لأفعل شيئا آخر..
وهاهي سنة أخرى أعود لأفعل ما أريد..
هل سأنجز شيئاً هذا العام؟هل سأتقدم علمياً بشكل جدي؟
وكما تقول الكتب دوماً ..
إن لك تملك خطة واضحة .. وهدف على مستوى العام..
ستبقى تائها وضائعاً ..

**

تذكر الماضي لايفيد كثيرا في هذه الأيام ..
لايزيدني سوى تعاسة .. أقرأ كثيراً .. (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكيلا تأسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما اتاكم والله لايحب كل مختال فخور)
أردد لكيلا تأسوا .. لكيلا تأسوا على مافاتكم ..
لماذا اليأس إذا؟ يالله كلّ ذلك مكتوب ومقدّر .. لماذا ذلك الشعور باليأس بالإحباط؟
لماذا تلك الروح الميتة؟ لماذا ذلك الشعور بالتكرار .. بأنك أصبحت فاقد للقدرات..
لماذا تلك القتامة .. في ماذا تفيد؟
لاشيء سوى إنها الأسهل ..
سوى أنها أسهل مايمكنك فعله ..
أمامك طريق كفاح عمل وكد.. وآخر بكاء على ماضي وكسل ونوم وهروب..
تختار؟
مواجهة الحياة بكل مافيها هي جزء من رسالة خليفة الله في أرضه ..
الركون إلى العجز والكسل من أسهل ما يمكنك فعله للهروب من مسؤولياتك..
عندما تتذكر الماضي المرة القادمة .. تذكر أنك تهرب..
عندما تتذكر مايراه الناس عنك وأنك أضعت الوقت وو .. تذكّر أنك محاسب يوم القيامة لافي هذه الدنيا..
وتذكر.. أن الأهم دوماً أن ترضي ربّك خالقك .. وأن تفعل فقط مايرضيه .. سوى ذلك لاتشغل به بالك ..ولاتجعله يتردد في عقلك..ولا أن يأخذ من طاقتك ..
لاتهرب..تحمل مسؤولياتك..
أنظر إلى أخطائك بمنظار المصلح لا المدمّر لذاته ..
تنفس بعمق ..
أذكر ربك وكثيراً ..
وتوكل عليه ..
وحسبك ذلك طاقة مجددة لروحك ..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ..